لم تكن معارك الساحل الغربي بالنسبة لمليشيات الحوثي نزهة عسكرية، ولم يكن التقدم الذي حققته في بعض المناطق انتصاراً مجانياً، فخلف كل متر تقدمت إليه الجماعة، كانت هناك جثث وجرحى وأسرى، ومقاتلون يُدفع بهم إلى خطوط النار دون أن يعرفوا إلى أين تنتهي بهم الطريق، في حرب تتسع كلفتها يوماًبعد آخر.
لكن الخسائر لا تتوقف عند حدود الساحل، فالمناطق الممتدة من مقبنة وجبل حبشي والوازعية في تعز، وصولاً إلى الصبيحة وجبال كهبوب في لحج، تحولت إلى مسرح لاستنزاف طويل، حيث أصبحت الجبال والشعاب والوديان والقرى والعُزل متاهة عسكرية للمليشيات الحوثية المتوغلة.
هناك، لا تكفي السيطرة على طريق أو موقع، فكل تقدم يفتح باباً لمواجهة جديدة، وكل توغل يمكن أن يتحول إلى كمين، وكل وحدة عسكرية تجد نفسها أمام أرض تعرفها القوات الحكومية والمحلية جيداً، وتستطيع استثمار تضاريسها في الهجوم والدفاع.
ومع استمرار المواجهات، تتوالى الخسائر بين قتيل وجريح وأسير وفار، فيما تبقى الكثير من الجثث في الشعاب والجبال والمناطق الوعرة، في مشهد بالغ القسوة يترك أثره على الأهالي ويثير مخاوف إنسانية وصحية تستوجب معالجة عاجلة.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً هو: من يدفع فاتورة الدم وثمن الحرب داخل معسكر الحوثيين، ومن يحصد نتائجها؟
فالذين يصلون إلى الجبهات هم من أبناء الأسر والقبائل في المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيات؛ يعود بعضهم جثثاً، ويعود آخرون بإصابات دائمة، فيما تبقى أسرهم وحدها في مواجهة الفقد والفقر ونتائج الحرب.
وهنا تبرز المفارقة التي تتكرر باستمرار: لماذا يذهب أبناء القبائل إلى الصفوف الأولى، بينما يبقى أبناء قيادات الجماعة بعيدين عن الخطر المباشر الذي يواجهه المقاتلون؟
إنها مسألة تستحق أن تُطرح بوضوح، لا بوصفها دعاية سياسية، وإنما باعتبارها سؤالاً عن توزيع كلفة الحرب، وعن القيادات التي تتخذ قرارات التصعيد والتعبئة وإرسال المقاتلين إلى الجبهات.
لقد كشفت جبهات تعز ولحج أن الجغرافيا يمكن أن تقلب حسابات القوة، فالجبل والشِّعب والوادي والقرية ليست مجرد تضاريس، بل عناصر قتال تجعل التوغل مكلفاً، وتمنح الأهالي والقوات الحكومية المناوئه للحوثيين قدرة على الاستنزاف والمواجهة.
ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس عدد المواقع التي تُنتزع أو تُستعاد، بل عدد المقاتلين الذين يسقطون في الطريق. فكل قتيل له أم تنتظر، وأبناء يبحثون عن أبيهم، وأسرة تدفع ثمن قرار لم تتخذه.
ولهذا يجب أن يبقى السؤال حاضراً أمام القبائل والمجتمعات المحلية: إلى متى سيُدفع بأبنائكم إلى الجبهات، بينما تبقى قيادات الحوثيين ودوائر القرار بعيدة عن خطوط النار؟ ولماذا يتحمل أبناء القبائل كلفة القتال دون أبناء قيادة الجماعة؟ وإلى متى ستظلون تدفعون وحدكم ثمن حرب يقرر الحوثيون استمرارها؟
فالحرب التي تأكل أبناء المواطنين لا تبني وطناً، والجماعة التي لا تواجه أسئلة المجتمع بشأن كلفة قراراتها ستظل دائماً تطلب المزيد من الضحايا.
أخبار محلية
إلى متى يبقى أبناء القبائل وقودًا لحرب الحوثيين؟