أعاد الهجوم الذي شنته جماعة الحوثي الإرهابية منذ مطلع سبتمبر/أيلول 2026 رسم خريطة السيطرة على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن، بعد انتقال عدد من المواقع العسكرية والمطارات والموانئ والجزر الاستراتيجية إلى سيطرتهم.
وشملت المواقع التي فقدتها القوات المناهضة للحوثيين 5 معسكرات، ومطارين، وميناء، ومنشآت جوية وبحرية في جزيرتي ميون وزُقَر، وتمتد من الخوخة والمخا وذو باب في الساحل الغربي إلى مناطق استراتيجية في جنوب البحر الأحمر وباب المندب.
وتكتسب هذه المواقع أهمية عسكرية وجغرافية متفاوتة؛ إذ كان بعضها قائماً قبل الحرب وأُعيد استخدامه وتحصينه، بينما أُنشئت منشآت أخرى خلال سنوات الحرب بدعم إماراتي، قبل أن تنتقل السيطرة عليها إلى الحوثيين خلال هجوم سبتمبر.
واعتمد التتبع على مقارنة صور الأقمار الصناعية عبر فترات زمنية مختلفة، إلى جانب مراجعة إعلانات البناء والتمويل والتسليم والتقارير التي وثقت الوجود العسكري الإماراتي ونشاط القوات المتحالفة معها. كما جرى تتبع انتقال السيطرة خلال هجوم سبتمبر عبر المقاطع المصورة وخرائط القتال. وبحسب ما أورده «عربي بوست» في تتبعه للمواقع، أظهرت المقارنة فروقاً بين منشآت كانت قائمة قبل التدخل الإماراتي وأخرى أُنشئت أو جرى توسيعها خلال سنوات الحرب.
خريطة السيطرة قبل الهجوم
قبل سبتمبر 2026، كان الحوثيون يسيطرون على مدينة الحديدة ومينائها ومعظم شمال ووسط المحافظة، بينما سيطرت القوات الحكومية المناهضة لهم على الشريط الساحلي الممتد جنوب الحديدة نحو الخوخة والمخا وذو باب وصولاً إلى باب المندب، إضافة إلى جزر استراتيجية في البحر الأحمر.
غيّر هجوم سبتمبر هذه الخريطة، مع تقدم الحوثيين في محافظتي الحديدة وتعز ووصولهم إلى عدد من الجزر. وتركز التتبع على منطقتين: الساحل الذي يضم الموانئ والمطارات والمعسكرات في المخا وذو باب والخوخة، وجزر جنوب البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميون وزُقَر.
سقوط المخا ومعسكر خالد بن الوليد
في 9 سبتمبر 2026 سيطر الحوثيون على معسكر خالد بن الوليد في مديرية موزع غربي تعز، قرب مفرق المخا. ويُعد المعسكر من أكبر المواقع العسكرية في المنطقة، وتبلغ مساحته نحو 12 كيلومتراً مربعاً.
المعسكر كان قائماً قبل الحرب، واستعادته القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في يوليو 2017 بإسناد جوي من التحالف. ولاحقاً شاركت القوات الإماراتية في تثبيت السيطرة عليه وتحصينه، وارتبط بعمليات قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح.
وتنبع أهمية المعسكر من موقعه قرب مفرق المخا، حيث تتفرع الطرق نحو المدينة والساحل وتعز والحديدة والمناطق الجنوبية، ما جعله موقعاً متقدماً لتأمين التحركات والإمدادات بين الساحل والداخل. وسقوطه سبق دخول الحوثيين إلى المخا بيوم واحد.
وفي 10 سبتمبر سيطر الحوثيون على معسكر جبل النار شرقي المخا. وكانت القوات الحكومية قد استعادته في فبراير 2017 خلال عملية «الرمح الذهبي»، ثم أصبح مقراً لقيادة القوات العسكرية في الساحل الغربي بقيادة طارق صالح المدعوم من الإمارات.
ويقع الجبل على بعد نحو 23 كيلومتراً من مطار وميناء المخا، قرب شبكة الطرق التي تربط معسكر خالد بالمخا وتمتد جنوباً نحو ذو باب وباب المندب. وتحدثت تقارير يمنية عن بقاء قوات إماراتية فيه حتى يناير 2026، لكن هذه التقارير لم تقدم دليلاً قاطعاً على ذلك.
مطار المخا
أُنشئ مطار المخا خلال سنوات سيطرة القوات المناهضة للحوثيين على المدينة، بدعم وتمويل إماراتيين، وأشرفت على المشروع قوات المقاومة الوطنية.
وتتضارب التقارير بشأن بدء إنشائه بين 2019 و2021، إلا أن صور الأقمار الصناعية تشير إلى أن أوضح مؤشرات البناء والتأهيل ظهرت بعد أبريل 2021، قبل استكمال المدرج والمرافق في السنوات التالية.
ويبلغ طول المدرج نحو 3.1 كيلومتر، ويضم برج مراقبة وصالة للمسافرين ومرافق تشغيلية، ما وفر لقوات طارق صالح منشأة جوية قريبة من انتشارها على الساحل.
ومع سقوط المخا في 10 سبتمبر، انتقل المطار إلى الحوثيين. وفي اليوم التالي أفادت وسائل إعلام حوثية بأن السعودية استهدفته بغارة جوية، دون تقارير عن أضرار أو ضحايا، فيما أظهرت آخر صورة أقمار صناعية راجعها «عربي بوست»، بتاريخ 18 سبتمبر، المدرج والمرافق دون أضرار ظاهرة.
وتمنح السيطرة على المطار الحوثيين موقعاً جوياً على الساحل الغربي قريباً من باب المندب، وإن كانت السيطرة عليه لا تعني بالضرورة جاهزيته للتشغيل أو استخدامه فعلياً في نقل الإمدادات.
ميناء المخا
يقع الميناء قرب المطار على البحر الأحمر، وهو أقدم من التدخل الإماراتي بعقود، إذ شهد تطويراً واسعاً في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وبعد سيطرة القوات المناهضة للحوثيين على المخا عام 2017، أعلنت الإمارات في 2018 العمل على إعادة تأهيله وتطويره.
ويمنح الميناء من يسيطر عليه منفذاً بحرياً مباشراً للمناطق الغربية من تعز وموقعاً لمراقبة حركة الملاحة في البحر الأحمر.
ووفق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن الصادر في يناير 2022، قالت الإمارات إنها قدمت دعماً شمل إعادة إعمار ميناء المخا، كما تلقى الفريق مقاطع تظهر دخول مركبات عسكرية إلى الميناء. ونقلت الوثيقة عن المقاومة الوطنية أن تلك المركبات وصلت قبل إعادة انتشار القوات الإماراتية في 2019، فيما أقرت الإمارات بأنها دربت وجهزت القوات المحلية ضمن التحالف وبعلم الحكومة اليمنية.
وبسقوط المخا في 10 سبتمبر، انتقل الميناء أيضاً إلى الحوثيين، لتفقد القوات المناهضة لهم منفذاً بحرياً قريباً من مناطق انتشارها.
ذو باب: مطار بني الحكم ومعسكر العمري
جنوب المخا، انتقلت خلال هجوم سبتمبر السيطرة على موقعين في منطقة ذو باب: مطار بني الحكم ومعسكر العمري.
وتبدلت السيطرة على ذو باب عدة مرات خلال الحرب، قبل أن تستعيدها القوات الحكومية في يناير 2017 ضمن عملية «الرمح الذهبي». ومنذ ذلك الحين بقيت المنطقة بيد القوات المناهضة للحوثيين، وأُنشئ فيها مطار جديد إلى جانب مواقع عسكرية قديمة.
أُنشئ مطار بني الحكم، المعروف أيضاً بمطار باب المندب، خلال السنوات الأخيرة من سيطرة القوات المدعومة إماراتياً. وتظهر صور الأقمار الصناعية بدء أعمال الإنشاء في يوليو 2023، قبل تشكيل مدرج بطول نحو 3.2 كيلومتر ومرافق مرتبطة به. وأفادت وسائل إعلام تابعة للمقاومة الوطنية بأن دائرة الأشغال التابعة لها نفذت المشروع بدعم إماراتي.
وتكمن أهمية المطار في موقعه قرب الساحل والطريق المؤدي إلى باب المندب، ما يوفر نقطة إضافية لنقل الأفراد والإمدادات ودعم الانتشار جنوب الساحل الغربي. وانتقلت السيطرة عليه إلى الحوثيين في سبتمبر 2026.
أما معسكر العمري فهو موقع عسكري قائم قبل الحرب، ارتبط تاريخياً باللواء 17 مدرع، وشهد معارك متكررة. واستعادته القوات الحكومية المدعومة من التحالف مطلع 2017، وشاركت القوات الإماراتية في السيطرة عليه إلى جانب ألوية العمالقة وقوات المقاومة، وفق وسائل إعلام إماراتية.
وفي 10 سبتمبر 2026 سيطر الحوثيون على المعسكر بالتزامن مع فقدان مطار بني الحكم.
جزيرة ميون
في 11 سبتمبر 2026 امتد تقدم الحوثيين إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، الواقعة داخل مضيق باب المندب، بعد سنوات من تعاقب القوات اليمنية والإماراتية والسعودية عليها.
تقسم الجزيرة المضيق إلى ممرين بحريين، وشهدت خلال الحرب محاولتين لإنشاء مدرج جوي. بدأت المحاولة الأولى أواخر 2016 في شمال شرقي الجزيرة، وقال مسؤولون يمنيون إن الإمارات كانت تتولى بناءه، لكنه توقف قبل اكتماله.
وفي موقع آخر شمال غربي الجزيرة ظهر مشروع جوي جديد؛ إذ أظهرت صور الأقمار الصناعية لعام 2021 مدرجاً بطول نحو 1.85 كيلومتر وثلاث حظائر. ونقلت «أسوشيتد برس» في العام نفسه عن طارق صالح إقراره بوجود قواته المدعومة إماراتياً في الجزيرة أثناء بناء المدرج، دون أن يحدد تصريحه الجهة التي نفذت المشروع أو مولته.
ويمنح المدرج، من حيث المبدأ، منفذاً جوياً إلى الجزيرة لنقل الأفراد والإمدادات ودعم القوات الموجودة فيها، كما يمكن لمنشأة جوية في هذا الموقع أن تدعم الاستطلاع البحري، دون إثبات أن هذه المهام نُفذت فعلياً من ميون.
وبعد انسحاب القوات الإماراتية، انتشرت قوات سعودية في الجزيرة عام 2019، وتحدثت تقارير في يناير 2026 عن انسحاب من تبقى من العسكريين الإماراتيين وتسلم قوات خفر السواحل والجيش اليمني الجزيرة بدعم سعودي.
ولا تثبت سيطرة الحوثيين على ميون ومدرجها أن المنشأة كانت جاهزة للتشغيل عند وصولهم أو أنهم بدأوا استخدامها جوياً.
مواقع الخوخة
في 9 و10 سبتمبر امتد تقدم الحوثيين إلى مديرية الخوخة في الحديدة، بعد نحو تسع سنوات من استعادتها من الحوثيين.
وتضم المنطقة معسكر أبو موسى الأشعري، ومعسكر عمبرة، وموقعاً عسكرياً جنوب المدينة، وميناءً استخدمته القوات الإماراتية خلال عمليات الساحل الغربي.
بدأ الوجود العسكري المدعوم من التحالف في الخوخة بعد استعادتها في ديسمبر 2017. وفي العام التالي استخدمت الإمارات ميناء الخوخة قاعدة عسكرية لدعم الهجوم باتجاه مدينة الحديدة.
معسكر أبو موسى الأشعري منشأة قائمة قبل الحرب، وانتقلت السيطرة عليه بعد استعادة الخوخة إلى القوات المناهضة للحوثيين، وكانت قوات المقاومة الوطنية تسيطر عليه بحلول مارس 2019.
أما معسكر عمبرة، الواقع على بعد نحو 8 كيلومترات جنوب الخوخة، فتظهر صور الأقمار الصناعية أنه يضم منطقة مسوّرة واسعة، ومدرجاً ترابياً بطول نحو 900 متر ومهبطاً للمروحيات. وكان مركز عمليات لقوات طارق صالح وخفر السواحل حتى سيطرة الحوثيين عليه خلال هجوم سبتمبر.
جزيرة زُقَر
تقع جزيرة زُقَر جنوب البحر الأحمر، شمال أرخبيل حنيش، وعلى بعد نحو 90 كيلومتراً من الحديدة. وتختلف عن ميون في أنها تقع شمال باب المندب، قرب الممرات البحرية بين المضيق وميناء الحديدة.
تبدلت السيطرة عليها عدة مرات خلال الحرب، وبعد سيطرة التحالف عليها عام 2015 شهدت حضوراً عسكرياً إماراتياً، قبل أن تتسلمها قوات خفر السواحل اليمنية عقب انسحاب الإمارات عام 2019، ثم أصبحت مقراً لقوات بحرية موالية لطارق صالح.
وشهدت الجزيرة تحولاً في بنيتها خلال 2025 مع إنشاء رصيف بحري ومدرج جوي. وتظهر صور الأقمار الصناعية بدء بناء الرصيف في أبريل 2025، ثم تسوية مسار المدرج وظهور طبقة أسفلتية خلال أغسطس، قبل ظهور علامات مدرج بطول يقارب 2000 متر في صورة مؤرخة في 19 أكتوبر.
ويشير تزامن إنشاء الرصيف والمدرج إلى إضافة منفذ بحري بالتوازي مع تجهيز منشأة جوية.
وفي يوليو 2026 أعلنت المقاومة الوطنية صد زوارق حوثية حاولت الاقتراب من الجزيرة، قبل أن ترد تقارير عن سيطرة الحوثيين عليها في 11 سبتمبر 2026.
ولا تزال المعارك بين الحوثيين والقوات الحكومية مستمرة حتى تاريخ التقرير، فيما يوضح تتبع هذه المواقع حجم التحول في خريطة السيطرة على الساحل الغربي، لكنه لا يحسم مدى جاهزية المنشآت التي انتقلت إلى الحوثيين أو كيفية استخدامها في المعارك المقبلة.