منذ سيطرة عصابة الحوثي على مناطق يمنية عدة، برزت إعلانات ما يسمى بـ«العفو العام» كأحد الأساليب التي استخدمتها العصابة لاستقطاب مقاتلين وخصوم سياسيين ومدنيين ممن غادروا مناطق المواجهات أو شاركوا في مقاومتها.
وبينما تقدم عصابة الحوثي هذه الخطوة باعتبارها مبادرات لإنهاء الخصومة وفتح الباب أمام العائدين، تكشف وقائع وتقارير حقوقية عن حالات احتجاز وملاحقة واختفاء طالت يمنيين عادوا إلى مناطق خاضعة للجماعة بعد حصولهم على تطمينات بالعفو، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات بشأن مدى جدية هذه الوعود وما إذا كانت بمثابة فخ لإعادة الخصوم إلى مناطق سيطرة الحوثيين ثم إخضاعهم لانتهاكات جسيمة اصل الى التصفية الجسدية .
وتعود هذه المخاوف إلى سنوات سابقة، ولا سيما عقب الانتفاضات والمواجهات التي شهدتها عدد من المناطق قبل أن تسقط تحت سيطرة الحوثيين.
ففي منطقة حجور بمحافظة حجة، واجه أبناء المنطقة حملة عسكرية حوثية واسعة بعد اندلاع المواجهات عام 2019، وانتهت بسيطرة عصابة الحوثي على المنطقة، وسط تقارير حقوقية وإعلامية تحدثت عن عمليات قتل واعتقالات ومداهمات ونهب وتدمير لمنازل وممتلكات، إضافة إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان.
وأصبح مصير المشاركين في مقاومة الحوثيين، وكذلك الأشخاص الذين عادوا لاحقًا إلى مناطق سيطرة الجماعة، أحد أبرز الملفات التي أثارت مخاوف من الانتقام والملاحقة.
ولم تكن حجور الحالة الوحيدة؛ فقد شهدت مناطق أخرى انتفضت أو قاومت تمدد الحوثيين مصيرًا مشابهًا بدرجات متفاوتة.
وفي مديرية عتمة محافظة ذمار ، تحدثت تقارير وشهادات عن اعتقالات وانتهاكات بحق معارضين وخصوم للجماعة، فيما واجهت مناطق أخرى، من بينها البيضاء وتعز والجوف ومأرب، حملات أمنية وعسكرية استهدفت أشخاصًا اتهمتهم الجماعة بالارتباط بخصومها أو بمقاومة سيطرتها.
ومع اتساع رقعة المناطق الخاضعة للحوثيين، أصبح سكان المناطق التي سقطت تباعًا أمام عصابة الحوثي أمام واقع أمني جديد، تتداخل فيه إجراءات العفو مع الاعتقال والتحقيق ومصادرة الممتلكات، بحسب تقارير وشهادات حقوقية.
وفي كل محطة من محطات الصراع، تعود العصابة إلى استخدام مصطلح «العفو العام» لتقديم ضمانات للراغبين في العودة أو تسليم السلاح.
وكان من أبرز هذه القرارات إعلان صدر عام 2017 بشأن العفو عن يمنيين شاركوا في انتفاضة 2 ديسمبر غير ان هذا العفو تحول الى ملاحقات ولم يتم بموجله، الإفراج عن المشمولين بهذا العفو .
كما أن إصدار قرار العفو لم ينهِ المخاوف المتعلقة بالملاحقة والاحتجاز والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري في مناطق سيطرة الحوثيين.
وتقول منظمة العفو الدولية إن عصابة الحوثي واصلت خلال عام 2025 تنفيذ حملات اعتقال واحتجاز تعسفي، طالت صحفيين وعاملين في المجال الإنساني ومدنيين، في سياق أوسع من القيود والانتهاكات التي وثقتها المنظمة في مناطق سيطرة الجماعة.
ويعني ذلك أن اختبار أي إعلان جديد للعفو لا يتعلق بنص القرار وحده، وإنما بمدى التزام الأجهزة التابعة للعصابة فعليًا بعدم ملاحقة الأشخاص المشمولين به.
وفي سبتمبر 2026، عادت قضية «العفو العام» إلى الواجهة مع إعلان عصابة الحوثي العفو العام في مناطق الساحل الغربي لليمن " والتي تشمل مديريات غرب تعز وجنوب الحديدة"
ويحمل ملف الساحل الغربي خصوصية مختلفة، إذ شهدت المنطقة سنوات من المعارك بين القوات الحكومية وعصابة الحوثي، وتضم مناطق سقطت تباعًا تحت سيطرة الحوثيين .
حيث أصبح آلاف اليمنيين ممن قاموا عصابة الحوثي او وثقوا جرائمها بين وأفراد أمن ومدنيين مرتبطين بالقوات المناهضة للحوثيين أمام خيار البقاء خارج مناطقهم أو العودة إليها، وهو ما يجعل أي ضمانات معلنة بالعفو عاملًا مؤثرًا في قراراتهم في البقاء فيها او الفرار منها .
غير أن مخاوف هولاء لا تنبع فقط من التجارب الحالية، بل من سوابق تقول مصادر حقوقية إنها شهدت احتجاز أشخاص بعد عودتهم إلى مناطق سيطرة الحوثيين، رغم حصولهم على تطمينات سابقة. وفي أغلب هذه الحالات، تحول خيار العودة او البقاء في مناطق الحوثي وعدم الفرار منها عقب سيطرة العصابة عليها ، إلى تحقيقات واستدعاءات أمنية أو احتجاز، وفق روايات وشهادات ظروفها وتحديد المسؤولين عنها ومصير الأشخاص المعنيين.
ولم تقتصر الانتقادات على خصوم عصابة الحوثي او من قبل ناشطين وحقوقيين بل تعدى ذلك الى اشخاص من داخل قيادات العصابة .
وفذ هذا السياق وجه القيادي الحوثي محمد المقالح في حسابه على منصة اكس انتقادات لاذعة لطريقة تطبيق عصابة الحوثي قرار العفو الأخير، معتبرًا أن العفو الحقيقي لا يقتصر على الإعلان عنه، بل يفترض عدم احتجاز العائدين أو التحقيق معهم بسبب مواقفهم السابقة، وإعادة حقوقهم وممتلكاتهم ووظائفهم. وتعكس هذه الانتقادات، حتى من داخل البيئة الحوثية، جدلًا بشأن مدى توافق التطبيق على الأرض مع مضمون الإعلانات الرسمية.
وبالنسبة لحقوقيين، فإن الفارق بين «العفو» كإعلان سياسي و«العفو» كضمان قانوني وأمني يكمن في ما يحدث بعد عودة المستفيدين. فالعفو الفعلي، وفق هذا التصور، يفترض ضمان حرية الشخص وسلامته، ووقف ملاحقته بسبب مواقفه السابقة، وتمكينه من العودة إلى منزله واستعادة حقوقه، إلى جانب الكشف عن مصير المعتقلين والمختفين قسرًا.
ومن حجور إلى عتمة، مرورًا بالمناطق التي شهدت مواجهات وسقطت لاحقًا تحت سيطرة الحوثيين، وصولًا إلى الساحل الغربي، تتكرر الأسئلة بشأن مصير من يقررون العودة استنادًا إلى وعود العفو.
وبينما تزعم عصابة الحوثي أن ما تسميه «العفو العام» يهدف إلى تشجيع العائدين وطي صفحة الحرب، فإن الوقائع والانتهاكات التي رافقت تطبيق قرارات مماثلة تجعل هذا العفو، بالنسبة لكثير من اليمنيين، أقرب إلى فخ أمني منه إلى ضمانة للعودة الآمنة؛ فبدل أن ينهي الملاحقة ويفتح الطريق أمام عودة آلاف اليمنيين إلى منازلهم، تحولت وعود العفو في حالات موثقة إلى مدخل للاحتجاز والتحقيق وإعادة فتح ملفات العائدين، لتبقى تجربة حجور وريمة وغيرها من المناطق التي قاومت الحوثيين، وصولًا إلى الساحل الغربي، شاهدًا على مخاوف تتجدد كلما أطلقت العصابة إعلانًا جديدًا تحت عنوان «العفو العام».