هناك لحظة في رحلة الدكتوراه يكتشف فيها الباحث شيئًا لم تخبره به الخطة الدراسية: أن الدكتوراه لا تستهلك وقتك فقط، بل قد تبدأ في التمدد داخل حياتك كلها. تبدأ برسالة، ثم تصبح مواعيد ومراجع واجتماعات وتعديلات، ثم تجد نفسك تفكر في البحث وأنت على مائدة الطعام، وفي الفصل القادم وأنت مع أسرتك، وفي ملاحظات المشرف قبل أن تنام.
وفجأة، لم تعد تدرس الدكتوراه...بل أصبحت تعيشها. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل من الطبيعي أن يكون الطموح العلمي على حساب كل شيء آخر؟
طموح جميل… لكن إلى أين؟
لا أحد ينكر أن الدكتوراه تحتاج إلى التزام وصبر وتضحية ، لكن هناك فرقًا بين التضحية من أجل هدف، وبين التنازل عن حياتك من أجل الهدف.
بعض الباحثين يدخلون الدكتوراه وهم يعتقدون أن النجاح يتطلب أن يعملوا طوال الوقت، وأن أي راحة تعني تقصيرًا، وأي وقت مع الأسرة يعني تأخرًا، وأي انقطاع عن البحث يعني فقدانًا للفرصة.
وهكذا يصبح الباحث في سباق دائم مع نفسه.
يكتب لأنه يشعر بالذنب إن لم يكتب، ويقرأ لأنه يشعر بالذنب إن لم يقرأ، ويرتاح... وهو يشعر بالذنب لأنه يرتاح.
وهذه ليست دائمًا علامة طموح، أحيانًا تكون علامة أن الطموح بدأ يتحول إلى ضغط.
الأسرة التي تدفع ثمن الدكتوراه وهذه من أكثر الجوانب التي لا نتحدث عنها بما يكفي.
وراء كثير من طلاب الدكتوراه أسرة تنتظر وقتًا معهم، وأبناء يريدون أبًا حاضرًا، وشريك حياة يحتاج إلى اهتمام، وأصدقاء اختفوا تدريجيًا من المشهد.
وقد يبرر الباحث ذلك قائلًا: "هذه فترة مؤقتة وستنتهي."... لكن السنوات تمضي.
وقد تنتهي الدكتوراه فعلًا، بينما تكون بعض الأشياء التي أهملناها قد تغيرت إلى الأبد.
فالرسالة يمكن تأجيلها يومًا... لكن طفولة الأبناء لا تنتظر ، حين تصبح كل مشكلة في الحياة مرتبطة بالدكتوراه ، تأخر في الإنجاز؟ الدكتوراه.
قلة النوم؟ الدكتوراه، توتر العلاقات؟ الدكتوراه، قلة التواصل مع الأصدقاء؟ الدكتوراه ، حتى المزاج أصبح مرتبطًا بملاحظة من المشرف أو نتيجة تحليل إحصائي!
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا... الدكتوراه مشروع مهم، لكنها ليست الحياة كلها ، هي جزء من هويتك، وليست هويتك كاملة؛ فالمشكلة ليست في الدكتوراه وحدها ومن الإنصاف ألا نحمّل الدكتوراه كل المسؤولية.
هناك ظروف العمل، والالتزامات الأسرية، والوضع الاقتصادي، وطبيعة المؤسسة، وأسلوب المشرف، وأحيانًا ظروف البلد والمجتمع.
لكن جزءًا من المشكلة أيضًا يأتي من الباحث نفسه.
نحن أحيانًا نضع لأنفسنا معايير لا يطلبها منا أحد، نريد أطروحة مثالية ومقالًا مثاليًا وعرضًا مثاليًا ونتائج مثالية، ثم نكتشف في النهاية أننا نطلب من أنفسنا أن نكون بشرًا مثاليين أيضًا.
وهذا غير ممكن .... الباحث ليس آلة ،ومن أكثر الأفكار قسوة في البيئة الأكاديمية أن الباحث الجاد يجب أن يكون متاحًا دائمًا.
إذا أخذ إجازة، قيل إنه غير جاد، إذا تأخر، قيل إنه ضعيف، إذا رفض مهمة إضافية، قيل إنه لا يتحمل المسؤولية.
وإذا قال "لا أستطيع"، أصبح وكأنه أعلن فشله.
لكن الحقيقة أبسط من ذلك:
الباحث إنسان.يتعب ويمل ويمرض ويحتاج إلى أسرته ويحتاج إلى أن يخرج من المكتبة أحيانًا لكي يتذكر لماذا دخلها أصلًا.
رسالة للمشرف:
ليس مطلوبًا منك أن تخفف معاييرك العلمية.
بل المطلوب أن تفرق بين الجودة والاستنزاف.
طالب الدكتوراه لا يحتاج إلى مشرف يذكّره كل يوم بأنه متأخر ، يحتاج إلى مشرف يساعده على معرفة:
ما الذي يجب إنجازه الآن؟
وما الذي يمكن تأجيله؟
وما الذي لا يستحق كل هذا الوقت أصلًا؟
فالمشرف الجيد لا يقيس نجاحه بعدد الساعات التي يعملها الطالب، بل بقدرته على الوصول إلى بحث جيد وباحث متزن.
ورسالة للباحث:
لا تجعل الدكتوراه تختطف منك الأشياء التي كنت تتمنى أن تنجح من أجلها.
إذا كنت تدرس لتبني مستقبلًا أفضل، فلا تجعل رحلة المستقبل تهدم حاضرك.
أنجز بحثك.
طور نفسك.
اقرأ.
اكتب.
ناقش.
لكن اترك لنفسك مساحة للحياة.
فليس من الحكمة أن تصل إلى نهاية الدكتوراه لتكتشف أنك حصلت على الشهادة، لكنك خسرت صحتك، وعلاقاتك، وهدوءك، وشغفك.
الحقيقة التي لا تُكتب في دليل الدكتوراه
قد تنتهي من المناقشة، وتحصل على الشهادة، وتسمع التصفيق، وتلتقط الصور... ثم تعود إلى البيت، وهناك ستكتشف أن الحياة لم تتوقف أثناء الدكتوراه.
الأبناء كبروا.
الأصدقاء تغيروا.
الأسرة لديها قصص حدثت في غيابك.
والأشياء التي كنت تؤجلها باسم "بعد الدكتوراه" قد لا تكون كما تركتها.
لذلك، لا تجعل كلمة "بعد الدكتوراه" مقبرة لكل الأشياء الجميلة في حياتك.
اخيرا
الدكتوراه رحلة علمية عظيمة، لكنها ليست اختبارًا لقدرتك على تحمل الألم، ولا ينبغي أن تصبح المعاناة معيارًا للجدية.
يمكن أن تكون طموحًا دون أن تكون مستنزفًا.
ويمكن أن تكون جادًا دون أن تكون غائبًا عن الحياة، ويمكن أن تسعى إلى التميز دون أن تطلب من نفسك الكمال.
فالعلم الذي يساعدك على بناء مستقبلك، يجب ألا يجعلك تخسر حاضرك.
لا تجعل الدكتوراه شهادة تثبت أنك وصلت… بينما الحياة من حولك تثبت أنك غبت.