أخبار محلية

سقوط القلاع الرمادية .. صنعاء بين هلع الهروب وبشائر الخلاص

المنتصف نت- المنتصف نت 20/09/2026 09:50 338 مشاهدة
سقوط القلاع الرمادية .. صنعاء بين هلع الهروب وبشائر الخلاص

​استيقظت صنعاء على وقع رجات غير مألوفة، كأنما المدينة التاريخية العتيقة تنفض عن أطرافها غبار ليل طويل وثقيل امتد عقدًا كاملاً من الجمر والقهر. فما بين أزقة "الحصبة" المكتظة وشارع الزبيري النابض بالحياة، وما بين أروقة "الحي السياسي" الموحشة، تداخلت أصوات الرصاص بنداءات الخلاص، لتعلن أن جدار الخوف قد تصدع نهائيًا. 
لم يعد الركود الذي فرضته القبضة الأمنية طويلاً قادراً على ستر عورات الانهيار؛ فالأفق يضج بحركة غير عادية لمواكب النزوح ومحطات الهروب المرتبكة نحو الشمال، بينما تتكشف شيئاً فشيئاً ملامح حقبة تترنح تحت ضربات السخط الشعبي العارم. في المستشفيات، تعجز الكلمات عن وصف مأساة الأرواح الملقاة وغرف الإنعاش المكتظة، وفي الشوارع تتقاطع نظرات الترقب والانتظار بصمت بليغ، كأن ملايين العيون تتفق على موعد واحد مع فجر جديد يلوح في أفق اليمن الحزين.  

​أصوات الرصاص المكتومة في "الحصبة"
​شهادة مواطن من قلب الحدث قال: ​"لم يكن ليلنا كبقية الليالي؛ فقد بدأ الأمر برشقات متقطعة سرعان ما تحولت إلى اشتباكات عنيفة هزت أركان الحي وأيقظت الخوف في قلوب الأطفال والنساء. رأينا بأعيننا سيارات دفع رباعي مظلمة تهرول محملة بالصناديق والأشياء الثمينة، بينما كانت وجوه المشرفين متجهمة وشاحبة تكابدهم حيرة الهروب الكبير. 
الشارع الذي كان يرزح تحت سوط الترهيب بات اليوم شعلة من الغضب المكتوم، والناس يتجاذبون أطراف الحديث عبر النظرات والإيماءات، منتظرين تلك اللحظة الفارقة التي تنتهي فيها كابوسية السيطرة، لتعود لصنعاء روحها الأولى المفعمة بالأمان والسلام."  

​نزوح الأقنعة وتسريحات الهروب نحو الشمال
​رؤية محلل سياسي ومراقب للشأن المحلي قال: ​"ما تشهده صنعاء اليوم ليس مجرد توتر أمني عابر، بل هو مخاض حقيقي لسقوط منظومة استبداد استمرت عقداً من الزمن.
إن هروب عائلات القيادات الصف الأول والثاني نحو صعدة، وتفريغ العقارات والأصول وبيعها بنصف قيمتها الحقيقية، يعكسان يقيناً مطلقاً لدى تلك القيادات بأن الحصن الذي تباطؤا في تحصينه قد انهار من الداخل. لقد تآكلت مليشيا الحوثي المزعومة تماماً بعد أن تحولت الطبقة السلالية إلى إقطاعية أرستقراطية ترفل في النعيم، بينما يعاني الشعب ألم الجوع وغياب أبسط مقومات العيش، وإن توحد الشارع اليمني بكل مكوناته ضد هذا العبث هو الإعلان الرسمي لنهاية الحقبة."  

​غرف الإنعاش العارية ونفاذ عينات الدم
​طاقم طبّي يروي مأساة المستشفيات : ​"الوضع الإنساني داخل المستشفيات وصل إلى حافة الكارثة المطلقة؛ فالاصابات والجرحى يملأون الممرات، وبنوك الدم تعلن العجز التام بعد نفاد الكميات وارتفاع النداءات العاجلة للمواطنين للتبرع. وفي المقابل، فرضت الأجهزة الأمنية طوقاً حديدياً وتكتيماً إعلامياً صارماً حول مستشفى الكويت وأقسام الطوارئ، محاولة إخفاء أعداد جثث القيادات البارزة التي وصلت تباعاً مع ساعات الفجر الأولى. إن الضغط الهائل على المنظومة الصحية يكشف زيف الاستقرار المزعوم، ويؤكد أن الفاتورة البشرية لتعنت السلطة القائمة قد أصبحت باهظة ولا يمكن لأحد تحملها بعد الآن."  

​سوق العقارات المنهار وهستيريا الأسعار
​قراءة اقتصادي لمشهد الانهيار المالي ​"حين تفقد العملة الأجنبية وتتسابق القيادات لتهريب الأموال الحرام إلى عمان ولبنان وبعض العواصم الأوروبية، يتهاوى السوق العقاري بشكل دراماتيكي غير مسبوق. لقد انخفضت أسعار الأراضي والعقارات في أرقى أحياء صنعاء إلى النصف وأقل، وأغلب المعروضين للبيع هم من وجوه السلطة أو أتباعهم ممن يحاولون تسييل أصولهم السريعة لضمان طريق الهروب. هذا النزيف المالي المفاجئ يدل على ذعر اقتصادي جماعي، فالجميع يدرك أن الأموال التي نهبت من رواتب الموظفين وقوت الشعب لا يمكن أن تهبهم الأمان الأبدي، وأن الحساب قادم لا محالة مع أول تباشير انهيار القبضة الأمنية."  

​نبض الشارع المتعطش للدولة والقانون
​ناشط حقوقي يرصد تحولات المزاج الشعبي قائلا:  ​"الناس هنا في صنعاء لم يعد يهمهم سوى شيء واحد: عودة الدولة والنظام والقانون الذي غاب عشر سنوات عجاف. لقد وصل الغضب الشعبي ذروته، ولولا الخوف من قسوة البطش الأمني لخرج الملايين يحتفلون في الميادين ببوادر السقوط الوشيك. إن حالة الفرحة البائنة في وجوه العوام تتناقض كلياً مع حالة الرعب والخفة التي يعيشها مسلحو النقاط العسكرية الذين فقدوا الثقة في بعضهم وفي قياداتهم.
صنعاء اليوم تشبه عروساً تنتظر فجرها بفارغ الصبر، تلمح ملامح التغيير في العيون المترقبة، وتتيقن أن ليل الظلم مهما طال فإنه إلى زقاق الزوال مصيره."  

​تلك هي صنعاء في صبيحتها المشهودة؛ مدينة تلملم أوجاع عقد كامل من السبات القسري، لتستعد لبعث جديد يكتبه أبناؤها على رصيف الأمل لا على قارعة اليأس. تطوي صفحة السطوة والكهنوت، وتفتح بوابات التاريخ لعهد تشرق فيه شمس العدالة والكرامة، طاويةً معها أثر الظالمين وكأنهم لم يكونوا بالأمس قريبين.