تاريخ النشر: 18.09.2026 | 14:39 GMT
في وقت يعاني فيه السودان واحدة من أكثر مراحله هشاشة، تتسارع خطوات التقارب بين السلطة السودانية في بورتسودان والسعودية من ملفات الأمن والحدود إلى الطاقة والموانئ والاستثمارات.
وفي سلسلة تحركات جديدة بين البلدين، وقع السودان والسعودية مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل مصفاة الخرطوم وإنشاء مصفاة جديدة في مدينة بورتسودان بسعات تكريرية كبيرة في خطوة تستهدف تعزيز الاستثمارات السعودية في قطاع النفط السوداني.
وقالت وزارة الطاقة والنفط السودانية إن مذكرة التفاهم وُقّعت في مقر الوزارة بالخرطوم بين الإدارة العامة للمنشآت النفطية ومجموعة "طويق" السعودية بعد زيارة للمجموعة استمرت أسبوعا، وشملت اجتماعات ومناقشات فنية واستثمارية بشأن المشروعين.
وتشمل مذكرة التفاهم إعادة تأهيل مصفاة الخرطوم إلى جانب إنشاء مصفاة جديدة في بورتسودان، بينما لم تكشف الوزارة عن حجم الاستثمارات المتوقعة أو الطاقة التكريرية المستهدفة لكل من المشروعين، مكتفية بالإشارة إلى التخطيط لسعات تكريرية كبيرة.
وتشكّل مذكرة التفاهم مرحلة أولية نحو تنفيذ المشروعين، إذ أشارت وزارة الطاقة والنفط إلى أن الجانبين سيعملان على الوصول إلى اتفاق نهائي قبل بدء التنفيذ، دون تحديد جدول زمني لذلك.
وبالتوازي مع ذلك، بحث وزير البنى التحتية والنقل السوداني سيف النصر التجاني هارون، خلال لقائه سفير المملكة العربية السعودية لدى السودان زيد بن مخلد الحربي، فرص التعاون المشترك بين البلدين في مجالات النقل والبنية التحتية.
وتناول اللقاء أهمية قطاع النقل في دعم النشاط الاقتصادي والتجاري، إلى جانب دور الموانئ والنقل البحري والخدمات اللوجستية في تعزيز حركة التجارة، وبحث فرص التعاون والاستثمار في عدد من المشروعات ذات الأولوية.
وأكد السفير السعودي حرص المملكة على مواصلة التواصل والتنسيق مع السودان، واستكشاف مجالات جديدة للتعاون في قطاع النقل والبنية التحتية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
أمن الحدود والبحر الأحمر
كما بحث عضو مجلس السيادة ومساعد قائد الجيش ياسر العطا مع السفير السعودي ملفات التعاون الأمني والدفاعي، وتطرقت المباحثات بحسبما نُشر عن اللقاء، إلى الحدود وأمن البحر الأحمر.
وقالت القوات المسلحة السودانية في تعميم صحفي، إن اللقاء بحث العلاقات بين البلدين، والجهود المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية.
وتناول الاجتماع أيضا تطورات الأوضاع المدنية، والترتيبات الخاصة بالمرحلة المقبلة، إضافة إلى الملفات الأمنية المتعلقة بالحدود وأمن البحر الأحمر.
واستعرض اللقاء وفق بيان الجيش، آليات تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق في المجالات الدفاعية والتدريبية، بما يحقق المصالح المشتركة ويدعم استقرار المنطقة.
كما أنه وفي مطلع عام 2026، أُعلن عن اتفاقية بين وزارة المعادن السودانية وشركة التحالف العالمي للتعدين التابعة لشركة المصافي السعودية للذهب، لاستكشاف وتقييم وتطوير الذهب ومعادن أخرى في ولاية البحر الأحمر.
ووفق محللين، يكتسب التقارب السعودي مع بورتسودان أهمية إضافية لأنه قد يمنح الرياض نفوذا تفاوضيا أوسع في مرحلة ما بعد الحرب خصوصا في الملفات المتعلقة بالموانئ والموارد والاستثمارات الساحلية.
ملف قديم
ويعيد التقارب بين بورتسودان والرياض إلى الواجهة ملفا ظل بعيدا عن الأضواء لعقود وهو ملف الحدود البحرية والثروات المشتركة بين البلدين في البحر الأحمر.
فمنذ عام 1974 يرتبط السودان والسعودية باتفاق لتنظيم استغلال الموارد الطبيعية في منطقة مشتركة بقاع البحر الأحمر، بما يشمل الموارد المعدنية والهيدروكربونية.
ويقول موقع "الراكوبة" السوداني في تقرير، إن الحدود البحرية بين السعودية والسودان ظلت رغم مرور أكثر من نصف قرن على بدء النقاشات بشأنها، دون حسم نهائي واضح ينهي حالة الغموض المحيطة بها.
ولا يتعلق الأمر بخلاف فني محدود حول خطوط بحرية، بل بملف يرتبط بحقوق استغلال الموارد، وأمن الملاحة، ومستقبل الثروات المعدنية والهيدروكربونية المحتملة في البحر الأحمر، وفق الموقع السوداني.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل الحرب السودانية مع تنامي الحضور الإقليمي في الموانئ والساحل ومشروعات التعدين والاستثمار.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح بقاء الحدود الاقتصادية والبحرية دون تسوية نهائية مصدر قلق حقيقيا لأنه قد يفتح المجال أمام ترتيبات طويلة الأجل تُبرم في ظل اختلال واضح في موازين القوة التفاوضية، وفق المصدر ذاته.
اتفاق 1974.. تسوية مؤقتة لا ترسيم نهائي
تعود جذور الملف إلى اكتشاف رواسب معدنية مهمة في قاع البحر الأحمر منذ ستينيات القرن الماضي ولا سيما في المنطقة الواقعة بين الساحلين السعودي والسوداني.
وفي مايو 1974، توصل الطرفان إلى اتفاق لتنظيم استغلال الموارد البحرية، وقُسمت المنطقة إلى 3 نطاقات رئيسية: نطاق غربي بمحاذاة الساحل السعودي حتى عمق 1000 متر، ونطاق شرقي بمحاذاة الساحل السوداني حتى العمق نفسه، ومنطقة مشتركة تُمنح فيها حقوق متساوية للطرفين.
غير أن هذا الاتفاق لم يكن ترسيما نهائيا للحدود البحرية بقدر ما كان ترتيبا لتنظيم الاستغلال، حيث أُنشئت اللجنة السعودية - السودانية لتنمية موارد البحر الأحمر برئاسة وزيري الثروة المعدنية في البلدين مع مساهمة وتمويل سعودي أكبر في عمليات الاستكشاف والتطوير.
ويضيف الموقع السوداني، "هنا يبرز السؤال الأساسي: لماذا استمر هذا الترتيب المؤقت طوال هذه العقود دون أن يتحول إلى اتفاق نهائي واضح يحدد الحدود البحرية والحقوق السيادية والاقتصادية لكل طرف؟".
ويوضح "الراكوبة" في السياق أنه لا ينبغي أن ينحصر النقاش في المعادن وحدها، إذ إن أي تقييم مستقبلي للمنطقة يجب أن يشمل أيضا احتمالات وجود موارد هيدروكربونية في قاع البحر، وأن يحدد بدقة طبيعة الحقوق التي يمنحها اتفاق 1974 لكل طرف، وحدود الانتفاع المشترك، وما إذا كانت هذه الحقوق مؤقتة أو قابلة للتطوير في ضوء قواعد القانون الدولي للبحار، مشيرا إلى أن غياب التفسير القانوني الحديث قد يترك ثغرات تسمح بتأويل الاتفاق بما يخدم الطرف الأكثر قدرة على فرض شروطه.
ثروات "أتلانتس"
تُعد منطقة حوض "أتلانتس" الواقعة في البحر الأحمر بين جدة وبورتسودان من أكثر المناطق إثارة للاهتمام من الناحية الجيولوجية والاقتصادية، بسبب ما تشير إليه الدراسات السابقة من وجود رواسب للزنك والفضة والنحاس والكادميوم والزئبق والذهب والحديد ومعادن أخرى.
وقد قدرت بعض التقييمات السابقة القيمة المحتملة لهذه الموارد بمليارات الدولارات، رغم أن تحويلها إلى ثروة منتجة يتطلب تقنيات متقدمة واستثمارات ضخمة وظروفا أمنية مستقرة.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الموارد المحتملة بل في غياب تقييمات علنية حديثة وكافية تحدد بدقة حجم الاحتياطيات، وطبيعة ملكيتها، وآليات تقاسم عوائدها، وحدود المناطق التي يحق لكل طرف استغلالها بصورة منفردة أو مشتركة، وفق الموقع السوداني، حسبما ذكره المصدر.
الحرب السودانية
إلى ذلك، أدت الحرب إلى إضعاف السودان ورفعت مستوى الاعتماد على القوى الخارجية في مجالات التمويل والدعم السياسي والأمني خصوصا في أعقاب الإطاحة بالحكومة المدنية في أكتوبر 2021.
وهنا تبرز حساسية الملف، فالسودان في هذه المرحلة ليس السودان الذي دخل اتفاق 1974 فالحرب أضعفت اقتصاده وأنهكته.
وفي المقابل، تنظر الرياض إلى البحر الأحمر باعتباره مجالا حيويا لأمنها واقتصادها وممراتها التجارية، ووسعت خلال السنوات الماضية حضورها ومشروعاتها على امتداد ساحله.
وتزداد المسألة أهمية بسبب طبيعة المنطقة نفسها، فاتفاق 1974 لم يكن اتفاقا عابرا بل تناول بصورة مباشرة الثروات الموجودة في قاع البحر بما فيها المعادن والموارد الهيدروكربونية.
كل هذه التطورات قد تضع الخرطوم أمام تحديات قبل الدخول في مشروعات ضخمة يمكن أن تعيد تشكيل اقتصاد ساحل البحر الأحمر لعقود خاصة وأن التطورات الأخيرة أعادت ملفا عمره أكثر من خمسين عاما إلى دائرة الضوء، ووضعت طرحا جديدا يصعب تجاهله يتمثل في إذا كان البحر الأحمر يدخل مرحلة جديدة من الترتيبات والاستثمارات والتحالفات.
المصدر: RT + وسائل إعلام