تاريخ النشر: 18.09.2026 | 05:33 GMT
يُعدّ مصرع داغ همرشولد، الأمين العام الثاني للأمم المتحدة، في حادث تحطم طائرة في الثامن عشر من سبتمبر عام 1961، واحدا من الألغاز التي ظلت معلّقة دون حل طوال القرن العشرين.
منذ وقوع الحادث، ظلت الرواية الرسمية تشير إلى أنه كان حادثا عرضيا، غير أن أصواتا عديدة تحدثت عن دلائل أقوى ترجّح وجود سبب أكثر غموضا وشرا، وهو ما جعل تحقيقات الأمم المتحدة والمطالبات بالكشف عن الحقيقة تتواصل على مدى عقود.
كان همرشولد في ذلك الوقت في رحلة يهدف من خلالها إلى إجراء مفاوضات مع مويز تشومبي، زعيم الانفصاليين في مقاطعة كاتانغا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في فترة شهدت صراعا محتدما. سعى الأمين العام للأمم المتحدة حينها إلى تأمين وقف لإطلاق النار ومنع تصاعد الصراع في هذا البلد الإفريقي.
بعد الحادث، خلص تحقيق لاحق أجرته لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة إلى أنه من "المحتمل" أن يكون هجوم أو تهديد خارجي سببا في تحطم الطائرة، وهو ما أبقى الظروف الدقيقة للحادث محاطة بالغموض والتكهنات.
كانت طائرة همرشولد من طراز "دوغلاس دي سي-6 بي" قد أقلعت مساء يوم السابع عشر من سبتمبر. تلقت أبراج المراقبة الجوية رسالة من الطيار تفيد بأنه يرى أضواء الهبوط، ثم فُقد الاتصال بعد ذلك. عُثر على حطام الطائرة بالقرب من مدينة ندولا في زامبيا الحالية، التي كانت تسمى وقتها روديسيا الشمالية، وكان موقع الحطام على بعد نحو خمسة عشر كيلومترا من المطار.
حُدّد الوقت التقريبي للتحطم في حوالي الساعة 00:20 بالتوقيت المحلي ليلة السابع عشر إلى الثامن عشر من سبتمبر، استنادا إلى ساعات عُثر عليها في موقع الحادث وكانت قد توقفت عند لحظة الارتطام. لقي جميع من كانوا على متن الطائرة حتفهم، وعددهم ستة عشر شخصا: عشرة ركاب، بينهم الأمين العام للأمم المتحدة، وستة من أفراد الطاقم. أما الناجي الوحيد فكان الرقيب هارولد جوليان، وقد توفي لاحقا متأثرا بجراحه.
داغ همرشولد ، الأمين العام الثاني للأمم المتحدةعزا التقرير الرسمي الأولي، الذي أعدته سلطات الاستعمار البريطاني، التحطم إلى خطأ ارتكبه الطيار، وهو استنتاج قوبل بتشكيك واسع النطاق لافتقاره إلى أدلة قاطعة. أدى ذلك إلى ظهور مزاعم متواصلة تفيد بأن الطائرة أُسقطت على يد مرتزقة يقاتلون لصالح إقليم كاتانغا الانفصالي، وربما بمشاركة طائرة ثانية مجهولة الهوية.
أُجريت عدة تحقيقات رسمية، أشارت نتائجها إلى أن خطأ الطيار هو السبب الأكثر ترجيحا، وأن قراءة خاطئة لمقياس الارتفاع دفعت الطائرة إلى التحليق في مسار اقتراب منخفض للغاية، ما أدى إلى اصطدامها بأطراف الأشجار. شملت النظريات الأخرى التي جرى التوقف عندها الأعطال الفنية، ونفاد الوقود، واحتمال تعرض الطائرة لإطلاق نار. مع ذلك، لم يُعثر على أدلة قاطعة تدعم أيا من هذه النظريات البديلة.
مع ذلك رفض البعض هذا التفسير، مستندا إلى عدة حجج، منها إفادة سكان محليين بأنهم رأوا طائرة ثانية، ومشاهدتهم ومضات ضوئية في السماء قبيل تحطم الطائرة. كما أن الناجي الوحيد، الرقيب هارولد جوليان، كان قد صرّح قبيل وفاته بأنه سمع دوي انفجار، إلا أن أقواله لم تؤخذ محمل الجد، واعتُبرت مجرد هلوسات رجل يحتضر، نظرا لعدم العثور على أي آثار لمتفجرات في حطام الطائرة.
الأدهى من ذلك اكتشاف آثار أعيرة نارية على جثث بعض الركاب، وقد برر التفسير الرسمي ذلك بالقول إن الرصاص لم يُحدث سوى خدوش سطحية، وإن الإصابات الفعلية نتجت عن اشتعال الذخيرة التي كان يحملها أفراد الأمن أثناء الحريق. إلا أن بعض الخبراء لم يقتنعوا بهذا التفسير. وظهر تناقض آخر في أقوال شهود العيان، إذ ذكروا أن قوات الجيش البريطاني فرضت طوقا أمنيا حول موقع التحطم قبل وقت طويل من العثور رسميا على الحطام.
مُنح همرشولد جائزة نوبل للسلام عام 1961، بعد أسابيع قليلة فقط من مصرعه، ليصبح بذلك واحدا من اثنين فقط من أمناء الأمم المتحدة العامين الذين نالوا هذا التكريم.
يُعدّ مقتل الأمين العام الثاني للأمم المتحدة لحظة مفصلية في تاريخ السويد التي ينتمي إليها، وقد وُصف بأنه يوازي في أهميته اغتيال كل من جون كينيدي ومارتن لوثر كينغ.
إلى ذلك، تواصل الأمم المتحدة دعوة الدول الأعضاء إلى رفع السرية والكشف عن أي معلومات تتعلق بهذا الحادث المأساوي، مشددة على أن الحقيقة الكاملة لما تعرض له داغ همرشولد والأشخاص الخمسة عشر الآخرين الذين لقوا حتفهم معه لا تزال غامضة ولم تتضح حتى الآن.
المصدر: RT