آخر الأخبار
الاستخبارات الخارجية الروسية: الناتو أوصى بعدم اتهام روسيا في حادث مسيّرة مطار لايبزيغ   •   الوكيل الجهوري يبحث مع مدير مكتب الأمم المتحدة (UNODC) تعزيز الأمن البحري ومكافحة التهريب   •   ارتفاع عدد النازحين في اليمن بسبب النزاع إلى نحو 94 ألف شخص   •   على عتبة دمشق.. أصالة تلم شمل السوريين في ألبوم من 14 أغنية.. فأيها يتصدر المتابعات؟   •   اللجنة الوطنية للمرأة بساحل حضرموت تشارك في المنتدى الحواري لقيادة السلطة المحلية والمجتمع   •   صناعة خورمكسر" يُسجّل انضباطاً تجارياً كلياً خلال جولات رقابية شملت 3 أحياء بالمديرية   •   الحوثيون يفاجئون سكان صنعاء بجرعة سعرية جديدة في الوقود   •   فرع اللجنة الوطنية للمرأة بمارب يشارك في اجتماع تنسيقي لنقاش أوضاع جرحى مخيمات النازحين   •   المقدم مياس الجعدني: لاتزال جهود لجنة تعديل قانون المخدرات مستمرة بعملها القانوني   •   قبل قرار حاسم.. الذهب يتراجع وسط ترقب لتحركات الفيدرالي   •  
أخبار محلية

«صندوق القتل»: عملية برية يمنية لاستعادة الساحل الغربي

نافذة اليمن 15/09/2026 10:58 349 مشاهدة
«صندوق القتل»: عملية برية يمنية لاستعادة الساحل الغربي

بعد أسابيع من التقدم الحوثي السريع على الساحل الغربي لليمن، تبدو القوات الحكومية وكأنها انتقلت من محاولة احتواء الانهيار إلى البحث عن طريقة لاستعادة المبادرة. وتحمل المرحلة الجديدة اسماً عسكرياً لافتاً هو صندوق القتل ، في إشارة إلى منطقة عمليات حددتها القوات الحكومية لتكثيف استهداف تحركات الحوثيين ومواقعهم وخطوط إمدادهم.

ولا تبدو الحملة، وفق طبيعة الأهداف والمناطق التي تشملها، مجرد رد فعل على تقدم الحوثيين، بل محاولة لإعادة تشكيل ظروف المعركة على الساحل. فبعد خسارة مواقع استراتيجية، باتت القوات الحكومية بحاجة إلى وقف اندفاعة الجماعة أولاً، ومنعها من تثبيت خطوط دفاعية جديدة، قبل التفكير في استعادة المناطق التي فقدتها.

وتتركز عمليات صندوق القتل في نطاق الساحل الغربي والممرات المؤدية إليه، حيث تستخدم القوات الحكومية الطيران والمدفعية لاستهداف تجمعات الحوثيين وتحركاتهم ومخازنهم وطرق إمدادهم. كما شملت التحذيرات طرقاً حيوية تربط تعز بالساحل وبمناطق قريبة من باب المندب، بما يعكس رغبة في جعل حركة القوات الحوثية مكلفة وصعبة.

تكمن أهمية الخطة في أنها تتعامل مع التمدد الحوثي باعتباره يحمل في داخله نقطة ضعف. فقد تمكنت الجماعة خلال هجوم سريع من تحقيق مكاسب واسعة على الساحل، لكن السيطرة على مساحة جغرافية كبيرة تفرض عليها في المقابل تأمين طرق طويلة وإبقاء قوات موزعة على مواقع متباعدة.

وهذه المعادلة يمكن أن تستغلها القوات الحكومية عبر استهداف الإمدادات والتحركات، وإجبار الحوثيين على إعادة توزيع قواتهم بدلاً من مواصلة التقدم. فإذا نجحت الضربات في إبطاء الحركة الحوثية ومنع الجماعة من تثبيت مواقعها الجديدة، فإن المعركة قد تدخل مرحلة مختلفة يصبح فيها الانتقال إلى الهجوم المضاد أكثر واقعية.

لكن ذلك لا يعني أن صندوق القتل هو بالفعل عملية برية لاستعادة الساحل. حتى الآن، تبدو الحملة أقرب إلى تهيئة ساحة المعركة أكثر من كونها إعلاناً عن هجوم شامل. فالسيطرة على المخا والمناطق المحيطة بها لا يمكن حسمها بالقصف وحده، وإنما تحتاج إلى قوة برية قادرة على استعادة المواقع وتأمينها ومنع الحوثيين من العودة إليها.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية أمام الحكومة اليمنية. فالمشكلة التي أدت إلى خسارة الساحل لم تكن مرتبطة بالقوة النارية وحدها، وإنما أيضاً بتشتت القوات وتعدد مراكز القرار وتباين أولويات الأطراف المناهضة للحوثيين. ولذلك فإن أي حملة لاستعادة الساحل ستحتاج إلى درجة أكبر من التنسيق العسكري والسياسي مما كان متاحاً خلال مرحلة التقدم الحوثي.

المخا ليست الهدف الوحيد

ويكتسب الساحل الغربي أهمية تتجاوز مدينة المخا نفسها. فالمعركة تدور في النهاية حول الممر المؤدي إلى باب المندب، وحول قدرة الحوثيين على تحويل وجودهم الساحلي الجديد إلى نفوذ دائم على حركة الملاحة.

ولهذا فإن استعادة المخا، إذا أصبحت هدفاً عسكرياً فعلياً، لن تكون سوى خطوة ضمن معركة أوسع. وستحتاج القوات الحكومية إلى استعادة طرق الحركة باتجاه ذو باب، وتأمين المناطق القريبة من المضيق، ومنع الحوثيين من استخدام الجزر والمواقع الساحلية لتوسيع قدرتهم على مراقبة أو تهديد الملاحة.

ومن هذه الزاوية، فإن صندوق القتل يحمل بعداً دفاعياً وهجومياً في الوقت نفسه. فهو دفاعي لأنه يهدف إلى وقف تمدد الحوثيين، وهجومي لأنه يحاول إضعاف انتشارهم تمهيداً لاستعادة الأرض.

المشكلة التي أدت إلى خسارة الساحل لم تكن مرتبطة بالقوة النارية وحدها، وإنما بتشتت القوات وتعدد مراكز القرار وتباين أولويات الأطراف المناهضة للحوثيين

قد تكون سرعة التقدم الحوثي نفسها عاملاً مساعداً للقوات الحكومية. فالجماعة التي حققت مكاسب كبيرة خلال فترة قصيرة تواجه الآن مهمة أصعب تتمثل في تثبيت السيطرة وإدارة مناطق جديدة. وكلما اتسع نطاق الانتشار، زادت الحاجة إلى الإمدادات والاتصالات والحماية.

وهنا تحاول القوات الحكومية تحويل سرعة التوسع الحوثي إلى عبء لوجستي. فإذا نجحت في قطع بعض طرق الإمداد أو إجبار الجماعة على تركيز قواتها في مواقع محددة، فإنها تستطيع الانتقال من القصف العشوائي إلى استهداف نقاط الضعف في الانتشار الحوثي.

لكن نجاح هذه المعادلة مشروط بامتلاك الحكومة قوات برية قادرة على استغلال نتائج القصف. فأسوأ سيناريو بالنسبة إليها هو أن تتحول صندوق القتل إلى حملة استنزاف طويلة لا يتبعها تحرك ميداني، بما يسمح للحوثيين بامتصاص الضربات وإعادة تنظيم صفوفهم.

باب المندب في قلب الحسابات

ويجعل الموقع الجغرافي للمعركة الساحل الغربي جزءاً من حسابات إقليمية أوسع. فباب المندب لم يعد مجرد جبهة يمنية داخلية، بل أصبح أحد مفاتيح الصراع على أمن الملاحة في البحر الأحمر.

وتزداد حساسية الوضع مع تراجع حركة السفن في المنطقة وتصاعد المخاوف من استخدام الحوثيين لمواقعهم الساحلية كورقة ضغط في الحرب الإقليمية. وإذا تمكنت الجماعة من تثبيت سيطرتها على مساحة واسعة من الساحل، فإنها لن تمتلك مكسباً عسكرياً داخل اليمن فقط، بل ستكتسب ورقة تفاوضية إضافية في مواجهة السعودية والولايات المتحدة والقوى الإقليمية.

وهذا ما يفسر أهمية أي محاولة حكومية لاستعادة المبادرة. فالمعركة ليست فقط حول استعادة مدن ومواقع، وإنما حول منع تحول المكاسب الحوثية الأخيرة إلى واقع استراتيجي دائم عند بوابة البحر الأحمر.

يبقى السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت حملة صندوق القتل تمثل تمهيداً فعلياً لهجوم بري. المؤشرات العسكرية تسمح بهذا الاحتمال، لكنها لا تكفي بعد للجزم بأن عملية واسعة لاستعادة الساحل قد بدأت.

فالمرحلة الحالية تبدو مخصصة لإعادة ضبط خطوط المواجهة، وإرباك الانتشار الحوثي، وقطع طرق الإمداد، واختبار قدرة الجماعة على الاحتفاظ بالمناطق التي سيطرت عليها. وإذا حققت هذه المرحلة أهدافها، فقد يصبح الانتقال إلى الهجوم البري أكثر احتمالاً.

أما إذا تمكن الحوثيون من امتصاص الضربات وإعادة بناء خطوطهم الدفاعية، فقد تتحول صندوق القتل إلى مجرد جبهة جديدة من جبهات الاستنزاف.

وفي الحالتين، تكشف الحملة عن تحول مهم في طبيعة الحرب على الساحل الغربي: الحكومة اليمنية لم تعد تكتفي بمحاولة منع الحوثيين من التقدم، وإنما تبحث عن طريقة لجعل مكاسبهم الأخيرة قابلة للعكس. ومن هنا تأتي أهمية صندوق القتل باعتباره اختباراً أولياً لقدرة الشرعية على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، واستعادة الساحل قبل أن يتحول التقدم الحوثي إلى أمر واقع يصعب تغييره.