وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إن القرار جاء بعد "استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية"، متهمة الإمارات بتزايد «التصرفات الاستفزازية أو العدائية»، ومشيرة إلى أن الجزائر وجهت خلال الفترة السابقة تحذيرات متكررة إلى أبوظبي بشأن ما وصفته بـ"العواقب الوخيمة" لهذه التصرفات.
وأبلغت الجزائر السفير الإماراتي رسميا بالقرار ومنحته مهلة 48 ساعة للامتثال له.
في المقابل، لم تكن القطيعة نتيجة خلاف معلن واحد، بل جاءت في نهاية مسار طويل من التوتر شمل ملفات تتصل بالأمن الداخلي الجزائري، والمغرب والصحراء الغربية، والعلاقات مع إسرائيل، إضافة إلى تنافس أوسع على النفوذ في منطقة الساحل وشمال أفريقيا.
البيان الجزائري الذي أعلن القطيعة لم يحدد بالتفصيل الوقائع التي دفعت الحكومة إلى اتخاذ القرار، واكتفى بالإشارة إلى "تصرفات استفزازية أو عدائية" وإلى استنفاد الوسائل الدبلوماسية للحفاظ على العلاقات.
هذا الغموض في البيان الرسمي فتح المجال أمام وسائل إعلام وشخصيات جزائرية لعرض ما تعتبره خلفيات للقرار.
ومن أبرز القراءات التي ظهرت عقب الإعلان، ما قدمه عمار بلاني، السفير الجزائري السابق والناطق السابق باسم وزارة الخارجية، الذي اعتبر أن القطيعة جاءت نتيجة تراكم ممارسات قال إنها أضرت بالمصالح الجزائرية.
وبحسب بلاني، تشمل أبرز نقاط الخلاف ما تصفه الجزائر بتدخل إماراتي في الشؤون الداخلية، ودعم حركة "الماك" الانفصالية، التي تصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية، فضلا عن اتهامات باستضافة أشخاص مطلوبين للعدالة الجزائرية.
وهذه الاتهامات تمثل تقييمًا جزائريا لدور الإمارات، ولم يرد في البيانات الرسمية التي أعلنت القطيعة تفصيل يثبت كل واحدة منها على حدة.
"الماك" والأمن الداخلي الجزائري
يضع الخطاب الجزائري المتعلق بالأزمة مسألة حركة "الماك" في مقدمة الملفات الأمنية الحساسة.
وتتهم الجزائر الإمارات بتقديم دعم سياسي للحركة، بل باستضافتها في منابر دولية، وهو ما تعتبره السلطات الجزائرية مساسًا بوحدة أراضيها وشؤونها الداخلية.
وتعود حساسية هذا الملف إلى أن الجزائر تصنف "حركة تقرير مصير منطقة القبائل" المعروفة اختصارا بـ"الماك" منظمة إرهابية، فيما تنفي الحركة هذا التصنيف وتطرح نفسها كحركة انفصالية تسعى إلى تقرير مصير منطقة القبائل.
ولم يصدر، في المصادر الرسمية الإماراتية موقف يقر بالاتهامات الجزائرية المتعلقة بدعم "الماك". لذلك تبقى هذه النقطة، في إطار عرض الأزمة، اتهاما جزائريا لا موقفا إماراتيا مثبتا.
المغرب والصحراء.. أحد أعمق جذور الخلاف
يتصل جانب آخر من الخلاف بالتنافس الجزائري-المغربي، وبشكل خاص قضية الصحراء.
فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتتمسك بمبدأ تقرير المصير، بينما اتخذت الإمارات موقفا داعما للمغرب في قضية الصحراء، وهو ما يظهر أيضًا في مواقفها الرسمية السابقة، بما في ذلك دعمها للموقف المغربي بشأن السيادة على الإقليم.
وتشير قراءات تناولت الخلاف الجزائري-الإماراتي إلى أن أبوظبي طورت خلال السنوات الماضية علاقات سياسية واقتصادية وأمنية وثيقة مع الرباط، الأمر الذي تنظر إليه الجزائر في سياق التنافس الإقليمي بين البلدين.
وتشير تقارير سابقة إلى أن الإمارات افتتحت قنصلية في الصحراء، في خطوة تنسجم مع موقفها الداعم للمغرب، بينما تعتبر الجزائر قضية الصحراء من الملفات الأساسية في سياستها الخارجية.
وفي هذا السياق، ترى مصادر جزائرية أن التقارب الإماراتي-المغربي لا يمثل مجرد تعاون ثنائي، بل جزءا من اصطفافات إقليمية أوسع تتعارض مع الحسابات الأمنية والسياسية الجزائرية.
التطبيع مع إسرائيل.. خلاف في الرؤية الإقليمية
يمثل الموقف من إسرائيل نقطة اختلاف أخرى بين البلدين.
فالإمارات أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام عام 2020، وطورت منذ ذلك الحين تعاونًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا معها.
أما الجزائر، فبقيت متمسكة بموقف رافض للتطبيع مع إسرائيل، وربطت سياستها الخارجية بصورة وثيقة بدعم القضية الفلسطينية.
وكانت وزارة الخارجية الإماراتية قد أكدت في بيان رسمي صدر الثلاثاء أن المؤسسات الحكومية الإماراتية والإسرائيلية حافظت منذ إقامة العلاقات بين البلدين على قنوات اتصال مباشرة ومفتوحة، وأن المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة يتم تبادلها عند الحاجة. كما قالت إن جهود الإمارات منذ 7 أكتوبر تركزت على خفض التصعيد والاستقرار الإقليمي ومنع العنف.
وتعتبر شخصيات جزائرية أن طبيعة العلاقات الإماراتية مع إسرائيل، إلى جانب التقارب الإماراتي-المغربي، خلقت محورا إقليميا يتعارض مع مصالح الجزائر، لكن هذا الطرح يبقى قراءة جزائرية لطبيعة الاصطفافات الإقليمية وليس توصيفا معلنا من الجانب الإماراتي للعلاقات مع الجزائر.
الساحل وليبيا.. تنافس على المجال الاستراتيجي
يمتد الخلاف كذلك إلى منطقة الساحل وشمال أفريقيا، حيث تحاول كل من الجزائر والإمارات بناء علاقات وتأثير سياسي وأمني واقتصادي.
وتنظر الجزائر إلى منطقة الساحل باعتبارها مجالا استراتيجيا مباشرا لأمنها القومي، بحكم الحدود الطويلة مع مالي والنيجر وليبيا وموريتانيا.
في المقابل، وسعت الإمارات حضورها في أفريقيا خلال السنوات الماضية من خلال الاستثمارات والعلاقات السياسية والاقتصادية، إلى جانب علاقاتها مع أطراف مختلفة في الأزمات الإقليمية.
وفي ليبيا تحديدا، أشارت تحليلات سابقة إلى اختلاف مواقف البلدين من أطراف النزاع الليبي، مع اتهامات جزائرية للإمارات بدعم قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، بينما حافظت الجزائر على موقف داعم للمسار السياسي والحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس في مراحل مختلفة من الأزمة. وتربط مصادر أخرى الخلاف بين البلدين بتنافس أوسع على النفوذ في شمال أفريقيا والساحل.
ولا يعني ذلك أن كل التحركات الإماراتية في أفريقيا تستهدف الجزائر مباشرة؛ إذ تقدم أبوظبي حضورها في القارة ضمن سياسة أوسع لتوسيع الاستثمارات والشراكات الاقتصادية والسياسية، وهو ما أشار إليه تحليل سابق للعلاقات بين البلدين.
من التوتر السياسي إلى إجراءات رسمية
لم تبدأ القطيعة بإعلان سبتمبر، بل سبقتها مؤشرات عملية على تدهور العلاقات.
ففي فبراير الماضي، بدأت الجزائر إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013، في خطوة جاءت بعد أشهر من التوتر السياسي.
وفي الفترة نفسها، صعّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون انتقاداته لما وصفها بدولة خليجية تتدخل في شؤون الجزائر وتؤثر في استقرارها، من دون أن يسمي الإمارات مباشرة في بعض تصريحاته. واعتبرت تقارير إعلامية جزائرية ودولية أن الإشارات كانت موجهة إلى أبوظبي.
وأظهرت تلك التطورات أن الخلاف انتقل من مستوى التباين في السياسات الخارجية إلى إجراءات تمس العلاقات الثنائية نفسها.
وبحلول سبتمبر، أعلنت الجزائر أن المسار الدبلوماسي وصل إلى نهايته، وقالت إن الإمارات واصلت، رغم التحذيرات، ما وصفته بالتصرفات غير المقبولة في إطار العلاقات بين دولتين ذاتي سيادة.
ماذا تقول الإمارات؟
الموقف الإماراتي من القطيعة نفسها لا يزال أقل تفصيلا من الرواية الجزائرية في المصادر المتاحة حتى الآن.
ولم تقدم أبوظبي، في البيانات الرسمية التي ظهرت عقب إعلان الجزائر، قائمة مقابلة بالأسباب التي أدت إلى القطيعة، فيما كانت مواقفها السابقة تشير إلى تفضيلها إبقاء الخلافات ضمن القنوات الدبلوماسية وعدم الدخول في سجال علني.
ويأتي ذلك في سياق سياسة إماراتية أوسع تؤكد فيها أبوظبي على خفض التصعيد والاستقرار الإقليمي، وعلى بناء شراكات مع دول مختلفة في المنطقة وخارجها.
كما أن الموقف الإماراتي المعلن بشأن علاقاتها مع إسرائيل لا يتطابق مع القراءة الجزائرية لها؛ فأبوظبي تعتبر العلاقات جزءًا من سياستها الخارجية القائمة على التواصل والدبلوماسية والتعاون، بينما تنظر الجزائر إليها ضمن سياق إقليمي مختلف يرتبط بالقضية الفلسطينية وتوازنات شمال أفريقيا.
وبالتالي، فإن الاختلاف لا يتعلق فقط بعلاقة ثنائية بين الجزائر وأبوظبي، وإنما بتباين أوسع في تصور كل دولة لدورها الإقليمي وشبكة تحالفاتها وشراكاتها.
لماذا الآن؟
توقيت القطيعة يعكس انتقال الخلاف من مرحلة إدارة التباينات إلى مرحلة اتخاذ قرار دبلوماسي رسمي.
فالجزائر تقول إن القرار لم يكن مفاجئا من منظورها، بل جاء بعد "استنفاد" محاولات الحفاظ على العلاقات وبعد سلسلة تحذيرات وجهتها إلى أبوظبي. كما أن الإجراءات التي سبقت القرار، وعلى رأسها ملف اتفاقية الطيران، أظهرت أن العلاقات كانت قد دخلت بالفعل مرحلة متقدمة من التوتر.
وفي المقابل، لا تظهر في الموقف الإماراتي المنشور حتى الآن رواية تفصيلية مضادة تتناول الاتهامات الجزائرية بندا بندا.
وهذا يعني أن الصورة المتاحة حاليا تتكون من رواية جزائرية مفصلة نسبيا عن أسباب القطيعة، مقابل موقف إماراتي رسمي أكثر تحفظا في التعاطي العلني مع الخلافات الثنائية.
القطيعة لا تعني بالضرورة صداما مفتوحا
قطع العلاقات الدبلوماسية يمثل أعلى درجات التصعيد في العلاقات الثنائية، لكنه لا يعني بالضرورة انتقال البلدين إلى مواجهة مباشرة أو توقف جميع أشكال الاتصال.
فالقرار الجزائري يخص العلاقات الدبلوماسية، فيما تبقى الملفات الاقتصادية والاستثمارية وحركة الأشخاص وغيرها قابلة لأن تخضع لاحقًا لقرارات منفصلة من الطرفين.
كما أن منح السفير الإماراتي مهلة 48 ساعة للامتثال للقرار يشير إلى أن الجزائر انتقلت إلى تنفيذ القطيعة وفق إجراء دبلوماسي محدد، وليس إلى إعلان مواجهة شاملة مع الإمارات.
وتبقى الخطوة التالية مرتبطة بكيفية تعامل أبوظبي مع القرار، وما إذا كانت ستكتفي بالرد الدبلوماسي، أو تتخذ إجراءات مقابلة، أو تترك الباب مفتوحًا أمام إعادة العلاقات في مرحلة لاحقة.
خلفية العلاقات
تعود العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات إلى عقود، وشهدت في مراحل سابقة تعاونا سياسيا واقتصاديا.
لكن التباين بين أجندتي البلدين الإقليميتين أصبح أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع اتساع الدور الإماراتي في شمال أفريقيا والساحل، وتطور علاقاتها مع المغرب وإسرائيل، مقابل تمسك الجزائر بسياسة خارجية تقوم على عدم الانحياز التقليدي، ودعم القضية الفلسطينية، والدفاع عن مبدأ تقرير المصير، والحفاظ على دورها الأمني والسياسي في الساحل.
وبذلك تبدو القطيعة الحالية، وفق المعطيات المتاحة، نتيجة تراكم مجموعة من الخلافات السياسية والأمنية والإقليمية، وليس نتيجة حادث واحد معلن.
وفي حين تضع الجزائر مسؤولية التصعيد على ما تصفه بالسلوك الإماراتي "الاستفزازي أو العدائي"، لا تقدم أبوظبي حتى الآن رواية تفصيلية مماثلة حول أسباب وصول العلاقات إلى هذه المرحلة، ما يجعل بعض الاتهامات المتبادلة بحاجة إلى التمييز بوضوح بين الوقائع المعلنة والتقييمات السياسية لكل طرف.
المصدر: RT