اليمن في الصحافة الخارجية

رائحة بيض فاسد وضباب يزحف على الأرض!

روسيا اليوم- اخبار 21/08/2026 08:44 276 مشاهدة
رائحة بيض فاسد وضباب يزحف على الأرض!
30 خبر

أخبار العالم

تاريخ النشر: 21.08.2026 | 05:42 GMT

استيقظ القرويون القاطنون حول بحيرة نيوس في الكاميرون في 21 أغسطس 1986، ولم يدر في خلد أحد أن هذا اليوم سيغير حياتهم إلى الأبد.

كانت بحيرة "نيوس" البركانية، الواقعة في فوهة بركان خامد، مصدر حياة للسكان المحليين لعدة قرون. لكنها تحولت في ذلك اليوم المشؤوم إلى قاتل صامت. العديد من السكان لقوا مصرعهم أثناء نومهم، ولم يكن لديهم الوقت لإدراك الخطر أو حتى مجرد الإحساس به.

في ذلك اليوم شهدت بحيرة "نيوس" الواقعة في جبال أداماوا فجأة انبعاثا هائلا لثاني أكسيد الكربون. تسبب التركيز العالي لثاني أكسيد الكربون المنبعث من قاع البحيرة في وفاة 1746 شخصا اختناقا، إضافة إلى نفوق عدد كبير من الماشية، في كارثة طبيعية نادرة. حيثما مرت سحابة الغاز لقي البشر والحيوانات حتفهم اختناقًا، كما أصيب بعض السكان بحروق كيميائية في جلودهم.

أفاد ناجون أنهم شموا رائحة البارود أو البيض الفاسد. في مساء اليوم السابق، تناهى إلى أسماع السكان هدير غريب قادم من جهة البحيرة، وصفه البعض بأنه صوت انفجار، والبعض الآخر بأنه هدير زلزال. بعد فترة وجيزة، لاحظوا ظاهرة غير عادية. انتشر ضباب كثيف ببطء فوق سطح الماء وأسفل سفوح الوادي.

في شهادتها، قالت ماري نكبوينغ، إحدى الناجيات: "استيقظت على رائحة غريبة. كانت مثل رائحة البيض الفاسد. وعندما نظرت من النافذة، رأيت ضبابا أبيض يزحف على الأرض، وكأنه كائن حي. لم أر شيئا مثله من قبل".

مع الفجر، اتضحت صورة مرعبة. جثث البشر والحيوانات ملقاة في كل مكان، في الشوارع، في المنازل، في الحقول. بدا كما لو أن كل شيء في الجوار قد غرق فجأة في نوم أبدي. لم تكن هناك علامات على الصراع أو الذعر. لقي السكان مصرعهم في أماكنهم، حيث صادفهم الموت غير المرئي، على الطاولة، وفي السرير، وفي مكان العمل.

وصف المدرس المحلي جوزيف نكوين ما رآه قائلا: "مشيت في القرية ورأيت الجثث في كل مكان. وكان الناس يرقدون كما لو كانوا نائمين. وكان بعضهم يجلس على طاولة وأمامه طعام. كانت الحيوانات نافقة أيضا، الأبقار والماعز وحتى الطيور التي سقطت من الأشجار".

مع انتشار أخبار المأساة الغامضة بالنسبة للسكان، أصبح حجمها محسوسا. في دائرة نصف قطرها 25 كيلومترا من البحيرة، مات 1746 شخصا وآلاف الحيوانات، فيما هجرت قرى بأكملها بين عشية وضحاها. لم ينج إلا أولئك الذين كانوا في مناطق مرتفعة، أو تمكنوا من مغادرة منطقة الخطر قبل وصول الغاز القاتل إلى منازلهم.

اتضح للخبراء أن بحيرة نيوس كانت تخفي تحت سطحها خطرا مميتا. في قاع هذا الخزان، على عمق أكثر من 200 متر، تراكم ثاني أكسيد الكربون من أصل بركاني على مر القرون. تم الاحتفاظ بالغاز تحت ضغط الماء، ليشكل خزانا عملاقا تحت الماء. بعد الكارثة، انخفض منسوب مياه البحيرة بنحو متر، وسقطت الأشجار على الشاطئ. تحولت مياه البحيرة، الزرقاء عادة، إلى اللون الأحمر بتأثير ارتفاع المياه الغنية بالحديد من الأعماق إلى السطح.

لفت العلماء إلى أن ما جرى في الكاميرون يمكن أن يحدث في المسطحات المائية الأخرى حول العالم. من أمثلة ذلك، بحيرة كيفو على حدود رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والبحيرات القريبة من جبل ماموث بولاية كاليفورنيا الأمريكية، وبحيرة ماشو في اليابان، وبحيرة بافين في فرنسا، وفي منطقة البحر الأسود.

بعد الكارثة التي حلت ببحيرة نيوس، تم اتخاذ خطوات هامة، وتم تركيب أول أنبوب دائم لتفريغ الغاز في بحيرة نيوس في عام 2001، وتلاه أنبوبان آخران في عام 2011. تم اتخاذ تدابير مماثلة في عام 2003 في بحيرة مونون الواقعة هي الأخرى في الكاميرون، حيث حدث إطلاق مماثل في عام 1984، ما أودى بحياة 37 شخصا. يتضمن النظام أنابيب للتحكم في إطلاق الغاز، وأجهزة استشعار لمراقبة مستويات ثاني أكسيد الكربون.

في الوقت الحالي، تخضع بحيرة نيوس لمراقبة مستمرة من قبل العلماء. يعمل نظام تفريغ الغاز على مدار الساعة، ما يمنع تراكم الغاز القاتل. مع ذلك، تبقى ذكرى تلك الليلة الرهيبة من أغسطس عام 1986 عالقة في قلوب أولئك الذين عاشوا المأساة، وفي سجلات الكوارث مثالا على مدى أهمية فهم واحترام قوى الطبيعة.

المصدر: RT