أخبار محلية

عارف ناجي علي: إذا لم تكن هناك وصاية قانونية على اليمن فلماذا اصبح القرار اليمني في الواقع موزعا بين مراكز داخلية وتأثيرات اقليمية ودولية؟

عدن الغد- محليات 20/08/2026 13:42 264 مشاهدة
عارف ناجي علي: إذا لم تكن هناك وصاية قانونية على اليمن فلماذا اصبح القرار اليمني في الواقع موزعا بين مراكز داخلية وتأثيرات اقليمية ودولية؟

يرى الناشط السياسي والمختص في الجغرافيا السياسية عارف ناجي علي أن مرور أحد عشر عاماً على الحرب في اليمن يفرض إعادة طرح السؤال الأساسي الذي رافق الأزمة منذ بدايتها هل تتمثل الأولوية في استعادة صنعاء فقط أم أن المطلوب اليوم هو استعادة القرار الوطني وبناء الدولة ومؤسساتها على أسس دستورية وقانونية واضحة؟

ويقول عارف ناجي علي إن الحرب التي بدأت تحت عنوان استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي لم تحقق حتى اليوم أهدافها بصورة كاملة فيما لا تزال مؤسسات الدولة تعاني من الانقسام وتتعدد مراكز القوة والنفوذ وتتداخل الاعتبارات الوطنية مع المصالح الإقليمية والدولية الأمر الذي يجعل استعادة القرار الوطني شرطاً أساسياً لاستعادة الدولة نفسها.

ويضيف أن أي قراءة لمستقبل اليمن لا يمكن أن تتجاهل الإطار الدولي الذي نشأ خلال الحرب وفي مقدمته قرار مجلس الأمن رقم 2216 لعام 2015 الذي صدر في 14 أبريل 2015 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وطالب من بين أمور أخرى الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها وإنهاء الإجراءات التي تقع حصراً ضمن سلطة الحكومة اليمنية.

ويشير إلى أن الإشارة إلى الفصل السابع كثيراً ما تُستخدم سياسياً باعتبارها تعني وجود وصاية دولية على اليمن، وهو توصيف يحتاج إلى قدر كبير من الدقة القانونية فالفصل السابع يمنح مجلس الأمن صلاحيات لاتخاذ تدابير تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين وتنفيذ قراراته لكنه لا يعني بذاته وضع اليمن تحت نظام وصاية دولية أو إلغاء سيادته القانونية كدولة.

ومن هنا يطرح عارف ناجي علي سؤالاً أكثر أهمية إذا لم تكن هناك وصاية قانونية على اليمن فلماذا أصبح القرار اليمني في الواقع موزعاً بين مراكز داخلية وتأثيرات إقليمية ودولية؟

ويرى أن الفارق بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية يستحق نقاشاً وطنياً جاداً فاليمن ما زال دولة ذات سيادة في القانون الدولي لكن ممارسة الدولة لسيادتها على الأرض وامتلاكها القرار السياسي والأمني والاقتصادي بصورة كاملة ظلت موضع تحديات كبيرة خلال سنوات الحرب.

ويؤكد أن استعادة القرار الوطني لا تعني رفض الدور الإقليمي أو الدولي ولا تعني الانعزال عن المجتمع الدولي وإنما تعني أن تكون العلاقات الخارجية قائمة على المصالح المتبادلة والشراكة والاحترام المتبادل للسيادة وأن تكون المؤسسات اليمنية هي صاحبة الاختصاص في إدارة الشأن الداخلي والموارد والموانئ والأمن والعلاقات الخارجية.

ويشدد عارف ناجي علي على أن استعادة الدولة لا يمكن أن تكون شعاراً سياسياً فقط وإنما يجب أن تعني العودة إلى الدستور والقانون باعتبارهما المرجعية الداخلية لتنظيم السلطات والاختصاصات فالدستور اليمني يحدد اختصاصات السلطات ويمنح مجلس النواب سلطة التشريع والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية فيما يحدد اختصاصات رئيس الجمهورية والحكومة بما في ذلك إصدار القوانين والقرارات المنفذة لها وممارسة السياسة العامة للدولة وفقاً للأحكام الدستورية.

ومن هذا المنطلق يرى أن سنوات الحرب أوجدت ظروفاً استثنائية فرضت قرارات وإجراءات سياسية وأمنية واقتصادية إلا أن الظرف الاستثنائي لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة دائمة تتجاوز الدستور والقانون.

ويطرح هنا ضرورة فتح نقاش قانوني ومؤسسي حول مدى توافق القرارات الجمهورية والقرارات الحكومية والإجراءات الإدارية والمالية التي صدرت خلال سنوات الحرب مع الدستور والقوانين النافذة وما إذا كانت قد صدرت من الجهات المختصة ووفق الإجراءات القانونية وما هي آثارها على مؤسسات الدولة وحقوق المواطنين.

ويؤكد أن هذا النقاش لا يستهدف شخصاً أو حكومة بعينها وإنما يستهدف إعادة بناء دولة المؤسسات لأن الدولة لا تستعاد فقط باستعادة المدن بل باستعادة مبدأ خضوع الجميع للدستور والقانون.

ويعتبر عارف ناجي علي أن الحديث عن الوصاية يحتاج إلى التفريق بين المفهوم السياسي والمفهوم القانوني.

فمن الناحية القانونية وجود قرارات لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع لا يعني تلقائياً أن اليمن أصبح دولة تحت الوصاية ولا يعني انتقال السيادة اليمنية إلى الأمم المتحدة أو إلى دولة أخرى وإنما يعني وجود قرارات دولية ملزمة في إطار اختصاص مجلس الأمن بحفظ السلم والأمن الدوليين وفقاً لميثاق الأمم المتحدة كما أن المادة 48 من الميثاق تنظم تنفيذ قرارات مجلس الأمن من جانب الدول الأعضاء.

لكن في المقابل يقول إن السؤال السياسي المشروع هو إلى أي مدى استطاعت القوى اليمنية خلال سنوات الحرب الحفاظ على استقلال القرار الوطني؟

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية بحسب رؤيته في أن تعدد القوى المسلحة ومراكز النفوذ والاعتماد الاقتصادي والعسكري على الخارج وتداخل الملفات اليمنية مع الحسابات الإقليمية والدولية جعل مسألة القرار الوطني أكثر تعقيداً من مجرد وجود قرار أممي أو غيابه.

ويرى عارف ناجي علي أن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى مراجعة دستورية وقانونية شاملة لكل ما ترتب على سنوات الصراع بما في ذلك القرارات الجمهورية وقرارات الحكومة والإجراءات المالية والإدارية وأوضاع المؤسسات العامة والاتفاقيات والالتزامات التي أُبرمت خلال المرحلة الاستثنائية.

ويقول إن هذه المراجعة ينبغي أن تكون مهنية وقانونية لا انتقامية أو سياسية وأن تحدد بوضوح ما هو صحيح دستورياً وقانونياً وما يحتاج إلى تصحيح أو إلغاء أو إعادة اعتماد من المؤسسات المختصة.

ويضيف أن بناء الدولة يتطلب كذلك إعادة الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والرقابة البرلمانية والمساءلة الحكومية ووحدة المؤسسات العسكرية والأمنية والمالية باعتبارها ركائز لا يمكن من دونها الحديث عن استعادة الدولة بصورة حقيقية.

ويؤكد المختص في الجغرافيا السياسية أن اليمن ليس دولة فقيرة من حيث الموقع بل يمتلك ثروة جيوسياسية كبيرة تتمثل في إشرافه على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب إلى جانب السواحل الطويلة والموانئ والجزر والموارد الطبيعية والبشرية.

ويشير إلى أن باب المندب ليس مجرد ممر بحري يمني وإنما أحد الممرات ذات الأهمية الدولية وهو ما يجعل استقرار اليمن قضية تتجاوز حدوده الوطنية إلى الأمن الإقليمي والدولي.

ومن هذا المنظور فإن السيطرة على الأرض والموانئ ومصادر الطاقة وطرق التجارة والممرات البحرية ليست مجرد ملفات داخلية وإنما ترتبط بحسابات إقليمية ودولية واسعة الأمر الذي جعل اليمن خلال السنوات الماضية ساحة لتقاطع مصالح متعددة.

ويرى أن المشكلة ليست في موقع اليمن وإنما في عدم وجود دولة مستقرة وقوية تمتلك القدرة على تحويل هذا الموقع إلى قوة اقتصادية وسياسية تخدم اليمنيين وتحمي مصالح شركائهم في المنطقة والعالم.

ويشير عارف ناجي علي إلى أن عدن تمثل نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة فهي ليست مجرد مدينة يمنية وإنما مدينة ذات موقع بحري استراتيجي على خليج عدن ارتبط تاريخها بالملاحة والتجارة والموانئ ويمكن في حال استقرار الدولة واستعادة مؤسساتها أن تتحول إلى مركز اقتصادي وبحري ولوجستي مهماً لليمن والمنطقة.

ويقول إن البحر بالنسبة لعدن لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حدوداً تفصل المدينة عن محيطها وإنما مساحة استراتيجية يمكن أن تكون بوابة للتجارة والاستثمار والنقل والخدمات اللوجستية إذا توفرت دولة مستقرة ومؤسسات قادرة على حماية هذه المصالح.

ويؤكد أن للسعودية ودول الخليج والقوى الدولية مصالح مشروعة مرتبطة بأمن اليمن والبحر الأحمر وباب المندب لكن حماية هذه المصالح على المدى الطويل لن تتحقق من خلال تعدد مراكز القوة داخل اليمن.

ويرى أن الأمن الإقليمي المستدام يبدأ من دولة يمنية مستقرة وقادرة على حماية حدودها وموانئها وممراتها البحرية، ومنع استخدام أراضيها للإضرار بجيرانها أو تهديد الملاحة الدولية.

ومن هنا فإن مصلحة اليمن ومصلحة دول الجوار والمجتمع الدولي يمكن أن تلتقي حول هدف واحد: قيام دولة فيدرالية يمنية قادرة على ممارسة سيادتها وإدارة علاقاتها الخارجية من موقع الشراكة لا التبعية.

ويخلص عارف ناجي علي إلى أن استعادة صنعاء رغم أهميتها السياسية لا ينبغي أن تكون نهاية المشروع الوطني وإنما جزءاً من مشروع أوسع لاستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها وقرارها وسيادتها.

ويقول إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بعد أحد عشر عاماً من الحرب لم يعد فقط متى نستعيد صنعاء؟ وإنما أيضاً متى يستعيد اليمن قراره الوطني؟ ومتى تصبح مؤسسات الدولة هي صاحبة الاختصاص الحصري في إدارة الأرض والسلاح والموارد والموانئ والعلاقات الخارجية؟

ويؤكد أن استعادة الدولة واستعادة القرار الوطني وجهان لقضية واحدة فلا يمكن لدولة أن تستثمر موقعها الجيوسياسي وثرواتها وموانئها وهي لا تمتلك قرارها الكامل، كما لا يمكن استعادة القرار الوطني من دون مؤسسات دستورية وقانونية قادرة على إدارة الدولة وممارسة سيادتها.

ويختم عارف ناجي علي بالقول إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إدارة الحرب إلى صناعة السلام ومن إدارة النفوذ إلى بناء الدولة ومن تعدد مراكز القرار إلى وحدة القرار الوطني ومن القرارات الاستثنائية إلى دولة المؤسسات، ومن انتظار القرار الخارجي إلى امتلاك القدرة على صناعة القرار اليمني فاليمن، بحسب رؤيته، يمتلك من الجغرافيا ما يكفي ليكون لاعباً مهماً في المنطقة لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة وإنما تصنعها دولة تمتلك قرارها وتحمي مواردها وتطبق دستورها وقوانينها وتعرف كيف توظف موقعها الجيوسياسي لخدمة شعبها، وتدير علاقاتها الإقليمية والدولية من موقع الشراكة والسيادة.