في صراع قضائي سويسري متواصل منذ عقد من الزمان، تدور رحى معركة حول تمثالين يمنيين أثريين فريدين من طراز "سيدة الضالع"، يعود تاريخهما إلى القرون الميلادية الأولى، دون أن يظهر للجمهورية اليمنية تمثيل قانوني واضح في هذه القضية المعقدة.
كشف الخبير في الآثار عبدالله محسن عن استمرار هذا النزاع القضائي، مشيراً إلى أن الأحكام والوثائق المنشورة لا تُظهر أي وجود قانوني لليمن، رغم تعاقب ست حكومات على سدة الحكم خلال سنوات القضية. التمثالان، اللذان يحملان في الوثائق السويسرية الأرقام (ST.FIG.047) و(ST.FIG.048)، يقبعان حالياً في مخازن المنطقة الحرة بجنيف. يجسد أحدهما شخصية رجل، بينما تصور الأخرى سيدة تقدم قرباناً، وكلاهما منحوت من مادة البروسيت، وهي حجر نادر يرتبط بمنحوتات يمنية قديمة من منطقة الضالع، وتحديداً شكع.
تتسم هذه المنحوتات بنمط فني مميز وصفته الباحثة الإيطالية سابينا أنتونيني، يتمثل في شخصيات واقفة ذات أجسام ممدودة وعيون بارزة، مع أذرع ممدودة للأمام في وضعية تقديم قربان. هذا الوصف ينطبق بشكل لافت على التمثال الأنثوي الموجود في جنيف، والذي يُعد امتداداً لتقليد فني عريق، يتجسد أبرز نماذجه في تمثال "سيدة الضالع" المحفوظ في متحف عدن.
أكد تقرير خبرة أُعد في مايو 2022 بطلب من المكتب الفيدرالي السويسري للثقافة، أن التمثال الأنثوي قطعة أصيلة ذات قيمة استثنائية، وأشار إلى وجود تمثال ذكري شديد الشبه به، مما يرجح أنهما يشكلان زوجاً أو مجموعة مترابطة. بدأت القضية في عام 2016 ضمن تحقيقات واسعة شملت أكثر من عشرة آلاف قطعة أثرية، لكن التحول الأبرز جاء في مارس 2022 عندما جرت محاولة لإخراج التمثال الأنثوي من المنطقة الجمركية، مما دفع السلطات إلى إعادة التدقيق وطلب تقرير خبرة.
خلص تقرير الخبرة إلى أن التمثال يمثل ممتلكاً ثقافياً بالمعنى القانوني، مع وجود اشتباه قوي في ارتباطه بحفريات غير مشروعة. وفي يناير 2023، فُتح ملف جنائي، وتم فرض الحجز القضائي على التمثالين. ورغم صدور أمر جزائي بمصادرة التمثالين وإسنادهما إلى الاتحاد السويسري في مايو 2024، إلا أن الدفاع اعترض، مما نقل القضية إلى محكمة الشرطة.
تبنت محكمة الشرطة في نوفمبر 2024 اتجاه الدفاع وأغلقت القضية، لكن النيابة العامة والمكتب الفيدرالي للثقافة طعنا في الحكم. وفي يونيو 2025، ألغت غرفة الطعون الجنائية في محكمة العدل بجنيف قرار محكمة الشرطة، معتبرة أن الخبرة المتخصصة قدمت عنصراً جديداً يسمح باستمرار الإجراءات، وأعادت الملف إلى محكمة الشرطة لاستئناف النظر فيه. وقد قُدم طعن لاحق إلى المحكمة الفيدرالية السويسرية في يوليو 2025، مما يترك مصير هذين التمثالين الغامض.
أكد الخبير محسن أنه لم يعثر على حكم قضائي نهائي يحسم مصير التمثالين، مشيراً إلى أن غياب الحضور اليمني الظاهر في السجل القضائي المنشور "ليس تفصيلاً عابراً، بل سؤال يستحق جواباً رسمياً". ودعا السفارة اليمنية والجهات المختصة إلى إصدار توضيح رسمي بشأن القضية، مشيداً في الوقت ذاته بدور السلطات السويسرية في حماية التمثالين ومنع التصرف فيهما، مما يعكس أهمية التعاون الدولي في حماية الممتلكات الثقافية ومكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار، ويمنح اليمن فرصة لمتابعة ملف التمثالين والمطالبة بحقوقه بشأنهما.