يثير انسحاب أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية من طراز باتريوت من المنشآت العسكرية قرب أربيل مخاوف جدية في إقليم كردستان، خاصة مع تصاعد التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة. لا يعتبر سحب بطاريات باتريوت مجرد تعديل لوجستي، بل جزء من عملية انسحاب عسكري أمريكي أوسع في العراق، تهدف إلى تقليص البصمة العسكرية الأمريكية ونقل مسؤولية الأمن إلى الشركاء المحليين.
توقيت هذا الانسحاب مقلق بشكل خاص لإقليم كردستان، الذي يقع في منطقة أمنية إقليمية مضطربة، ويتأثر بالصراعات التي تنشأ خارج حدوده. شهد الإقليم مئات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة منذ بداية الصراع الإقليمي الأوسع في فبراير، مستهدفة أربيل والمناطق المحيطة بها، بما في ذلك مواقع قريبة من القنصلية الأمريكية ومطار أربيل الدولي والبنية التحتية للطاقة. هذه الهجمات أثبتت أن التهديد لم يعد نظرياً، وأن الأنظمة غير المكلفة يمكن أن تشكل خطراً على المنشآت العسكرية والدبلوماسية والبنية التحتية المدنية.
كان نظام باتريوت مهماً ليس فقط لقدرته على اعتراض الصواريخ، بل أيضاً لما يمثله من قوة ردع. فوجود أنظمة دفاع أمريكية متطورة كان يشير إلى أن الهجمات ضد المنشآت والأفراد الأمريكيين ستواجه استجابة دفاعية قوية. إن إزالة هذه الأنظمة يغير حسابات الردع بشكل حتمي، على الرغم من بقاء أنظمة دفاعية أخرى. الاتجاه العام واضح: تقليص القدرات الدفاعية الأمريكية في الإقليم كجزء من الانسحاب الأوسع.
وقد اختبرت الدفاعات الجوية الأمريكية والتحالف مراراً خلال الصراع الأخير، حيث اعترضت العديد من الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت المواقع الأمريكية. هذا يدل على حجم التهديد وأهمية القدرات الدفاعية المتقدمة. يمتد التهديد أيضاً إلى القوات الأمنية والمدنيين الأكراد، مما يوضح أن العواقب الأمنية للصراع الإقليمي لا تقتصر على الأفراد أو المنشآت الأمريكية.
تتمتع إيران بالقدرة والرغبة في استخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة والميليشيات المتحالفة معها كأدوات للضغط الإقليمي. وقد أدى النزاع الأخير إلى تسريع تطوير واستخدام أنظمة غير مأهولة متطورة. السؤال المطروح ليس ما إذا كان إقليم كردستان يواجه تهديداً صاروخياً وطائرات مسيرة، بل ما إذا كانت القدرات الدفاعية الكافية ستبقى بعد اكتمال الانسحاب الأمريكي.
لا يمتلك إقليم كردستان حالياً بنية دفاع جوي تضاهي ما توفره الولايات المتحدة، مما يخلق ضعفاً استراتيجياً خطيراً. تتطلب الحماية الفعالة ضد الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة المتطورة أنظمة وتكنولوجيا وتغطية رادار وقدرات إنذار مبكر وأفراد مدربين وتنسيقاً لا يمكن إنشاؤه بين عشية وضحاها.
لدى الولايات المتحدة أسباب مشروعة لإعادة تقييم وضعها العسكري، وحماية أفرادها مسؤولية أساسية. كما أن لديها مصلحة مشروعة في تشجيع العراق على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنه. ومع ذلك، فإن ما يبدو عقلانياً من واشنطن قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة لشركائها. لقد كان إقليم كردستان أحد أهم شركاء الولايات المتحدة في العراق، حيث لعبت قواته الأمنية دوراً مركزياً في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. لذا، فإن تصورات الالتزام الأمريكي تحمل أهمية تتجاوز عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين في كردستان.
يمكن تفسير انسحاب أنظمة باتريوت بطريقتين: من المنظور الأمريكي، هو جزء من انتقال استراتيجي مخطط له، ومن منظور العديد في إقليم كردستان، قد يبدو كتخفيض للمظلة الأمنية في وقت تتزايد فيه التهديدات. هذا التصور مهم لأن الردع يعتمد على القدرة العسكرية والمصداقية. إذا اعتقد الخصم أن عواقب الهجوم ستصبح أقل حدة مع انسحاب القوات الأمريكية، فقد تزداد مخاطر الاختبارات الإضافية. إن تقليص القدرات الدفاعية يمكن أن يغير حسابات الجهات الفاعلة المستعدة بالفعل لاستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة.
يجب ألا يفترض إقليم كردستان أن نهاية الوجود العسكري الأمريكي ستعني نهاية التهديدات التي جعلت هذا الوجود ضرورياً. القضية المركزية الآن ليست حق الولايات المتحدة في إعادة تموضع أو سحب قواتها، ولا ما إذا كان ينبغي للعراق أن يتحمل مسؤولية أكبر عن أمنه، بل ما إذا كانت بنية أمنية بديلة وذات مصداقية ستكون موجودة قبل اختفاء القدرات الأمريكية. إذا لم يتم تطوير قدرات دفاع جوي عراقية أو كردية أو حليفة لتعويض النقص في الأنظمة الأمريكية، فقد يواجه إقليم كردستان فجوة دفاعية خطيرة، مما يقلل من الردع ويزيد من قابلية التعرض للهجمات.
يجب على صانعي السياسات في أربيل أن يعاملوا هذا الانسحاب كإشارة لضرورة تعزيز بنيتهم الأمنية وتنويع علاقاتهم الأمنية الخارجية، بما في ذلك تسريع تطوير الدفاع المتكامل ضد الصواريخ والطائرات المسيرة، وتحسين قدرات الإنذار المبكر، وتعزيز أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، وتنسيق أوضح بين حكومة إقليم كردستان وبغداد والشركاء الدوليين. كما تقع على واشنطن مسؤولية إدارة الانتقال بعناية، مع الحفاظ على التعاون الاستخباراتي والتدريب والمساعدة الأمنية. وينطبق المبدأ نفسه على علاقة إقليم كردستان ببغداد؛ فإذا كان من المتوقع أن تتحمل الحكومة الاتحادية مسؤولية أكبر عن أمن العراق، فيجب أن يشمل ذلك حماية إقليم كردستان من التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة الخارجية.
في نهاية المطاف، يجب ألا يُنظر إلى انسحاب أنظمة الدفاع الجوي باتريوت من خلال عدسة لوجستية عسكرية بحتة، بل كرمز لانتقال أوسع في النهج الأمريكي تجاه العراق والشرق الأوسط. يكمن التحدي أمام أربيل في ضمان عدم خلق نهاية ترتيب أمني معين فجوة خطيرة قبل أن يصبح ترتيب آخر جاهزاً. ويبقى التحدي أمام واشنطن هو ضمان ألا يقوض الانسحاب الاستراتيجي عن غير قصد الشركاء الذين ساعدوا في نجاح استراتيجيتها السابقة. أما التحدي أمام بغداد، فهو إثبات أن السيادة العراقية يمكن أن تشمل القدرة على حماية كل جزء من العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، من الهجمات الخارجية والوكيلة. سيُقاس نجاح هذا الانتقال بما يبقى بعد رحيل القوات والأنظمة الأمريكية، سواء كان ذلك قدرات محلية أقوى، أو تنسيق أفضل بين أربيل وبغداد، أو استمرار التعاون الأمني الدولي.