تاريخ النشر: 07.08.2026 | 15:52 GMT
أعاد الصراع والانقسام المؤسسي اليمن إلى عقود مضت، بعدما دمّرا الاقتصاد وأضعفا العملة ووسّعا نطاق الفقر، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية تحت وقع تراجع المساعدات وتغير المناخ.
ويحتاج بناء الاقتصاد إلى عقود من العمل والاستقرار، لكن انهيار المؤسسات السياسية واندلاع الصراعات قد يمحوان سنوات من النمو خلال فترة قصيرة. ويجسد اليمن هذه الحقيقة بوضوح، بعدما أدى استيلاء جماعة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر2014 إلى اندلاع حرب واسعة عام 2015 عقب تدخل تحالف إقليمي لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
أسفر الصراع والحصار والانقسام السياسي عن تدمير أسس الاقتصاد اليمني، الذي كان يعاني أصلا من الفقر والبطالة رغم امتلاكه مؤسسات دولة موحدة وقطاعا نفطيا يوفر معظم الإيرادات الحكومية. ووفقًا للبنك الدولي، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 54% بين عامي 2015 و2023، قبل أن يصل التراجع إلى 58% في عام 2024، مع انقسام الاقتصاد إلى منطقتين تديرهما مؤسسات مالية وإدارية متنافسة.
وأصبح اليمن فعليا منقسما بين مناطق يسيطر عليها الحوثيون تضم معظم السكان، وأخرى تديرها الحكومة وتحتوي على غالبية موارد النفط والغاز. وأدى نقل البنك المركزي إلى عدن عام 2016 إلى ظهور نظامين نقديين مختلفين، وسط تراجع احتياطيات النقد الأجنبي وانخفاض صادرات النفط والغاز. كما فقد الريال اليمني جزءا كبيرا من قيمته، واتسعت الفجوة في أسعار الصرف بين صنعاء وعدن، مما أسهم في ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع الأساسية.
وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تشكل اقتصاد موازٍ يعتمد على الجبايات والرسوم والسيطرة على التجارة والاستيراد والوقود والصرافة. وتشير دراسات إلى أن الجماعة عززت نفوذها على التراخيص التجارية والعقود الحكومية والزكاة، ومنحت امتيازات لشركات وتجار مقربين منها، ما أضعف المنافسة وأضر بالشركات الصغيرة والمتوسطة، بينما أصبحت تجارة الوقود والصرافة من أهم مصادر تمويل اقتصاد الحرب.
وفي المقابل، يواجه الحوثيون ضغوطا مالية متزايدة نتيجة تراجع إيرادات الموانئ والجمارك، وانخفاض الواردات، وتشديد العقوبات، وهو ما انعكس على تأخر صرف مستحقات المقاتلين والموظفين وتراجع الخدمات العامة، ولا سيما في القطاع الصحي، في وقت يستمر فيه توجيه جانب كبير من الموارد إلى الإنفاق العسكري.
ويعيش اليمن اليوم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إذ يحتاج نحو 80% من السكان إلى مساعدات إنسانية، بينما يعاني أكثر من 60% من انعدام الأمن الغذائي بسبب تراجع القدرة الشرائية وانخفاض المساعدات وارتفاع أسعار الغذاء. كما اضطرت كثير من الأسر إلى تشغيل الأطفال أو اللجوء إلى وسائل معيشية قاسية، مما يفاقم الفقر ويقوض رأس المال البشري.
ويزيد تغير المناخ من تعقيد الأزمة، مع تزايد آثار الجفاف والفيضانات وشح المياه على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. لذلك، يبقى تعافي الاقتصاد اليمني مرهونا بإنهاء الصراع، وتوحيد المؤسسات المالية، واستئناف صادرات النفط، وجذب الاستثمارات، إلى جانب تعزيز إدارة الموارد المائية، ودعم الزراعة، والاستثمار في الطاقة المتجددة، بما يهيئ أسسًا لتنمية أكثر استدامة.
المصدر:arabnews