مع استمرار التوتر بين أمريكا وإيران، أثيرت مخاوف من أن تسعى مليشيات الحوثي إلى استغلال موقعهم قرب باب المندب، أحد أبرز الممرات البحرية في العالم، لتحقيق مكاسب مالية على غرار ما تفعله إيران في مضيق هرمز.
مخاوف عززتها اتهامات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بالسعي إلى ذلك، فقال وزير الإعلام في الحكومة معمر الإرياني إن الحوثيين يعملون على محاكاة النهج الإيراني في مضيق هرمز عبر فرض رسوم على السفن، محذرا من أن خطوة مماثلة قد تزيد الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية وترفع أسعار النفط.
وقال الإرياني إن اتهاماته تستند إلى "معلومات استخباراتية مؤكدة" جُمعت أخيرا، وتفيد بأن الحرس الثوري الإيراني يساعد الحوثيين في إدارة هذا المسعى.
إلا أن ما يعرف بمركز تنسيق العمليات التابع للحوثيين نفى عزم المليشيات فرض رسوم مالية مقابل عبور السفن لمضيق باب المندب.
وأكد المركز في بيان "أنه لم يتخذ أو يدرس أي قرار بفرض رسوم مقابل العبور"، مشددا على أن "عبور السفن عبر مضيق باب المندب مجاني".
وكان الحوثيون أعلنوا قبل أيام فرض حصار بحري على السعودية، وتبنوا منذ ذلك الحين هجمات على ناقلات نفط ومنشآت نفطية في أنحاء المملكة، فيما أعلن التحالف بقيادة الرياض شن ضربات على مواقع تابعة لهم في اليمن.
ويهدد الحصار المعلن قدرة المملكة على تصدير ملايين البراميل من النفط الخام يوميا، إذ قد يحرمها من منفذها البحري عبر البحر الأحمر في ظل تعطّل الملاحة في مضيق هرمز بسبب إيران.
من جانبها، رأت الباحثة المتخصصة في سياسات اقتصاد الخليج لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، كارين يونغ أن "هذا الصراع ما زال في بداياته، وعلينا الاستعداد لاضطرابات طويلة الأمد" مشيرة خصوصا إلى ضرورة تأمين إمدادات النفط.
وأضافت في حديث مع صحافيين هذا الأسبوع "هذا صراع لا حلول سريعة له". وتابعت "حتى في حال حدوث انتقال سياسي (في إيران) قد يؤدي ذلك إلى تفاقم عدم الاستقرار في المنطقة بدلا من تخفيفه".
واعتبر الخبير في معهد الشرق الأوسط أليكس فاتانكا أن الوضع الراهن يشكل "معادلة خاسرة للجميع" إذ لا تستفيد الولايات المتحدة ولا إيران من حرب طويلة الأمد.
وتظهر استطلاعات رأي أجراها الخبير السياسي نيت سيلفر ونُشرت الخميس أن 58,3% من الأمريكيين يعارضون الحرب وهو رقم في ازدياد مستمر منذ مارس، فيما يؤيّدها 37,4%.
ويُعدّ هذا الملف حساسا سياسيا قبل أقل من 4 أشهر من انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر والتي تعد تاريخيا بالغة الصعوبة بالنسبة للحزب الحاكم وقد يفقد فيها ترامب أغلبيته في الكونغرس.
أين يقع مضيق باب المندب؟
يقع باب المندب في أقصى جنوب البحر الأحمر ويربط الأخير بخليج عدن في المحيط الهندي.
يُعد باب المندب أحد الممرات البحرية الأكثر استخداما في العالم، إذ يربط خصوصا أوروبا بآسيا.
يفصل هذا المضيق اليمن الواقع في شبه الجزيرة العربية عن جيبوتي وإريتريا في القارة الأفريقية.
يبلغ طوله نحو مئة كيلومتر، وعرضه نحو ثلاثين كيلومترا.
يقع بين رأس منهلي على الساحل اليمني ورأس سيّان في جيبوتي.
يشكّل هذان الرأسان الحد الفاصل بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وتفصل جزيرة ميون اليمنية المضيق إلى ممرين بحريين.
لماذا يُعد مضيق باب المندب استراتيجيا؟
تمر ناقلات النفط والسفن التجارية الآتية من آسيا عبر هذا المضيق للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك بالاتجاه المعاكس.
ومنذ بداية الحرب في الشرق الأوسط، عمدت السعودية إلى تصدير كميات متزايدة من النفط الخام عبر ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر، في مسار بديل من مضيق هرمز الذي تغلقه إيران.
وباتت كميات النفط المصدَّرة عبر هذا الميناء تمثّل 75% من إجمالي صادرات النفط السعودية في الظروف العادية، مقابل 15 إلى 20% قبل الحرب، وفق جون إيفانز، الخبير لدى "بي في إم"، شركة الوساطة والاستشارات المتخصصة في أسواق النفط والطاقة.
وإذا بات متعذّرا على السفن عبور مضيق باب المندب، يصبح الالتفاف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح الطريق البديل الوحيد للوصول إلى آسيا.
ويشير إيفانز إلى أن "الرحلة بين ينبع والصين تستغرق أكثر بقليل من 20 يوما" عند العبور قبالة السواحل اليمنية، أما التوجّه صعودا لعبور قناة السويس ثم الالتفاف حول أفريقيا فيستغرق "أكثر من 50 يوما".
باب المندب والمخاطر على الملاحة
بسبب قربه من السواحل اليمنية الخاضعة جزئيا لسيطرة الحوثيين، فإن المضيق معرض بشكل خاص للهجمات التي تنفّذها المليشيات.
في عام 2024، نفّذ الحوثيون عشرات الهجمات على سفن تجارية قالوا إنها على صلة بإسرائيل في البحر الأحمر وخليج عدن انطلاقا من المناطق الخاضعة لسيطرتهم في اليمن، مما أدى إلى اضطرابات طويلة الأمد في حركة الملاحة بالمنطقة.
ولم تعد حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى مستويات العام 2023، إلا أن الشركات البحرية الكبرى "بدأت منذ يناير/كانون الثاني 2025 تجسّ النبض وتسيّر بعض السفن"، وفق ما أوضحت المحلّلة في "لويدز ليست إنتليجنس" بريدجيت دياكون في مؤتمر عبر الفيديو.
وكان إغلاق مضيق هرمز قد أدى خصوصا إلى زيادة حركة ناقلات النفط المارة عبر باب المندب، لكن المحلّلة تتوقع أن "يتغيّر ذلك" بسبب الهجوم.