أخبار محلية

حقائب الموت اليمني.. من ثلوج بولندا إلى أسوار سبتة

المنتصف نت- المنتصف نت 02/08/2026 20:36 249 مشاهدة
حقائب الموت اليمني.. من ثلوج بولندا إلى أسوار سبتة

في كل مرة يُفتح فيها ملف الهجرة غير الشرعية، يتجه التفكير تلقائياً نحو الباحثين عن فرص أفضل، لكن القصة اليمنية مختلفة تماماً ومفجعة في تفاصيلها، إذ لا يفر هؤلاء الشباب بحثاً عن رفاهية أو طموح اقتصادي عابر، بل يهربون بنشاط مأساوي طلباً للبقاء على قيد الحياة. تتوالى الأنباء الحزينة عن غرق وفقدان عشرات الشباب اليمنيين قبالة أسوار جبل طارق وعند المعابر المائية المتجهة إلى جنيو سبتة، بعد أشهر قليلة من صور مؤلمة أخرى لشباب تجمدوا حتى الموت في الغابات الجليدية الممتدة بين بيلاروسيا وروسيا وبولندا.

إن هذه الحقائب الشاحبة التي يحملها المهاجرون على ظهورهم لا تضم وثائق سفر رسمية أو أموالاً، بل دُفنت في قاعها أحلام بسيطة لطالما حلم بها صاحبها في وطنه؛ حلم في وظيفة كريمة، أو بيت آمن، أو أمل في غدٍ يتساوى فيه البشر في الحقوق. لكن الواقع في الداخل أحال تلك الأحلام إلى عبء ثقيل يقتاد أصحابها إلى خوض غمار التهريب ومواجهة المصير المجهول بين ميت ومفقود ومحتجز في غياهب المعابر الحدودية حول العالم.

ولا يمكن قراءة هذه الفاجعة الإنسانية بمعزل عن الجذور السياسية والأمنية التي صنعتها؛ إذ تقف المليشيا الحوثية الإرهابية في صدارة الأسباب التي أفرغت المناطق الخاضعة لسيطرتها من كل أسباب الحياة، عبر فرض الجبايات الجائرة، وممارسة التضييق والتعسف، وتجريف المؤسسات، وإجبار الشباب على الاختيار بين الانخراط في محرقة الحرب أو الفرار بأرواحهم. وفي المقابل، تكتمل أركان هذه الأزمة في مناطق الشرعية نتيجة الانفلات الأمني، وتفشي الفساد المؤسسي، وغياب السياسات التنموية والاستيعابية التي تجعل الشاب يشعر بالأمان والاستقرار في أرضه.

لقد غدت رحلة الشاب اليمني متتالية من الفخاخ المحكمة؛ يفر من بطش الجبايات والانقلاب ليجد نفسه ضحية لعصابات التهريب الدولية التي تجره عبر ظروف مناخية وجغرافية لا ترحم. إن مشاهد الأمهات والآباء الذين ينتظرون اتصالاً أخيرًا لتأكيد نجاة أبنائهم أو العثر على جثامينهم عبر البحار والحدود القاسية، تختصر مأساة وطن كامل أُغلقت في وجه شبابه كل منافذ الأمل، وجُعلت الهجرة بطرقها غير الشرعية هي الخيار الوحيد الشبيه بالانتحار للتخلص من واقع أشد قسوة.