مأرب | متابعات
لم يكن ظهر ذلك اليوم مختلفاً عن غيره في مخيمي جو النسيم والوحدة بمحافظة مأرب؛ أطفال يلهون أمام الخيام، وأسر نازحة تجتمع حول وجبة الغداء، قبل أن يقلب ماس كهربائي المشهد رأساً على عقب، ويحول لحظات الهدوء إلى كارثة إنسانية جديدة التهمت الخيام والممتلكات، ودفعت عشرات الأسر إلى العراء بلا مأوى.
في الساعة الثانية من ظهر الجمعة، اندلع الحريق نتيجة تذبذب التيار الكهربائي وتهالك شبكة الأسلاك داخل المخيم، لتشتعل إحدى الخيام قبل أن تمتد ألسنة اللهب بسرعة إلى الخيام المجاورة، مستفيدة من تقاربها ومواد بنائها سريعة الاشتعال.
قال عاقل المخيم الأستاذ ناجي خريم، ، إن النيران أتت على مساكن أكثر من 15 أسرة، بينها ثماني أسر احترقت خيامها بالكامل، مؤكداً أن المتضررين فقدوا كل ما يملكونه.
وأضاف: «لم يخرج أي شيء لهم.. الناس اليوم في العراء، وما وصلهم إلا مساعدات بسيطة لا تكفي بالغرض».
وأوضح أن الحريق أسفر أيضاً عن إصابة أربعة أشخاص بحروق متفاوتة، نُقل بعضهم إلى المستشفى، مشيراً إلى أن الجهات المختصة وثقت الأضرار، بينما لا تزال الأسر المنكوبة تنتظر تدخلاً عاجلاً لإعادة إيوائها وتعويض خسائرها.
دقائق التهمت سنوات من المعاناة
ويروي شهود عيان أن تقلبات الكهرباء كانت السبب المباشر للحريق، مؤكدين أن ضعف التيار وارتفاعه المفاجئ حملا الأسلاك المتهالكة فوق طاقتها، لتنطلق الشرارة الأولى التي تحولت خلال أقل من عشر دقائق إلى كتلة هائلة من اللهب.
وقال أحد السكان: «حاولنا إخماد النار بالماء والأتربة، لكن الخيام كانت تشتعل بسرعة كبيرة، وعندما وصلت سيارة الإطفاء كان كل شيء قد احترق».
وأضاف أن الأطفال خرجوا حفاة، فيما اضطرت نساء إلى الفرار دون عباءات، بعدما لم يترك لهن الحريق فرصة لإنقاذ أي من مقتنياتهن.
ومن قلب موقع الحريق، وثق مراسل صحفي مشاهد تختزل حجم الكارثة الإنسانية؛ خيام تحولت إلى أكوام من الرماد، وأمتعة تفحمت بالكامل، وأطفال يبحثون بين الأنقاض عن أشيائهم وملابسهم، بينما وقفت أسر نازحة عاجزة أمام خسارة كل ما تملك للمرة الثانية.. ولم تكن آثار الحريق مجرد خسائر مادية، بل هي مشاهد تعكس هشاشة واقع المخيمات واستمرار المخاطر التي تهدد آلاف النازحين مع كل حادثة حريق.
مأساة تختزلها دموع الأطفال
ومن بين الأسر المنكوبة، قال عامر صالح الأبرش إن ابنته أصيبت بحروق في يدها أثناء محاولتها إنقاذ أطفالها الأربعة، فيما أُصيب شقيقها بحروق في قدميه وهو يحاول إخراج من كانوا داخل الخيمة.
وأكد أن الحريق التهم الملابس والأفرشة والأواني المنزلية والمدخرات المالية، إضافة إلى نفوق عدد من الأغنام واحتراق مركبات، مشيراً إلى أن كثيراً من الأسر لم يبق لها سوى الملابس التي كانت ترتديها لحظة اندلاع النيران.
وفي أحد أكثر المشاهد إيلاماً، وقفت طفلة أمام بقايا خيمتها المحترقة قائلة: «احترق كامل البيت.. ثيابنا وثياب أمي وأبوي وألعابنا احترقت، وأحنا الحين بلا سكن، ونطالب أصحاب الخير يجيبوا لنا سكن».
وفي مشهد آخر لا يقل قسوة، قال أحد النازحين، الذي كان خارج المخيم بحثاً عن لقمة العيش، إنه تلقى اتصالاً يخبره باحتراق خيمته، وعندما عاد وجد جزءاً كبيراً من المخيم قد تحول إلى رماد، بينما اختفت سنوات من الكفاح في دقائق، ولم يبق له سوى ما كان يرتديه.
مطالب عاجلة لمنع تكرار الكارثة
ويطالب الأهالي والسلطة المحلية والمنظمات الإنسانية بسرعة توفير مساكن ومساعدات عاجلة للأسر المتضررة، إلى جانب إنشاء نقطة دائمة للدفاع المدني وتوفير سيارة إطفاء بالقرب من المخيمين، مؤكدين أن المنطقة شهدت حرائق مشابهة في السابق، وأن استمرار تهالك شبكة الكهرباء وغياب وسائل الاستجابة السريعة ينذر بكوارث جديدة.
أرقام مقلقة
ولا تبدو هذه الحادثة معزولة عن واقع مخيمات النزوح في مأرب، إذ تأتي ضمن سلسلة متكررة من الحرائق التي تحصد المساكن الهشة وتفاقم معاناة آلاف الأسر.
ووفقاً للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، فقد سُجل 102 حريق في مخيمات النزوح منذ مطلع العام الجاري، أسفرت عن وفاة 11 شخصاً وإصابة العشرات، في ظل غياب منظومات السلامة والوقاية من الحرائق، وعدم توافر مخزون طارئ من المساعدات لإغاثة الأسر التي تفقد مساكنها وممتلكاتها مع كل حادثة جديدة.
وبينما أخمدت فرق الإطفاء النيران، بقيت آثارها مشتعلة في حياة الأسر المنكوبة؛ فبالنسبة لكثير من النازحين لم يكن ما احترق مجرد خيام وأثاث، لكنه آخر ما تبقى لهم بعد سنوات من الحرب والنزوح.. ومع كل حريق جديد، تتجدد رحلة الفقد، ويبدأ نزوح آخر داخل النزوح، في انتظار استجابة إنسانية لا تقتصر على إغاثة عاجلة، بل تمتد إلى معالجة أسباب الكارثة قبل أن تتكرر من جديد.