آخر الأخبار
"القناة 13" العبرية: قرار شن هجوم على إيران يعود لترامب ونحن بانتظار قراره   •   قائد المنطقة العسكرية الرابعة يرأس اجتماعاً موسعاً لقادة الألوية والوحدات العسكرية   •   الرئيس اللبناني: نعوّل على تركيا في التعافي الاقتصادي ودعم تنفيذ "اتفاق الإطار"   •   عمران.. امرأة تقتل مسؤولًا أمنيًا حوثيًا أثناء اقتحام منزلها في مديرية المدان   •   مصر تبلغ الولايات المتحدة رفضها جميع الاعتداءات على الدول العربية   •   فضيحة المنح الدراسية.. اتهامات بتحويل الابتعاث الحكومي إلى امتيازات عائلية   •   تظاهرة أمام القصر الرئاسي في عدن تطالب برحيل الحكومة من عدن وانهاء الوصاية   •   قائد المنطقة العسكرية الرابعة يعقد اجتماعاً موسعاً ضم عدد من قادة الألوية والوحدات العسكرية   •   وزارة البترول المصرية تصدر بيانا عقب حريق في سفينتين بميناء دمياط   •   مجلس عدن الاتحادي يناقش لائحته التنظيمية ويكلف بإعداد رؤية لإشراك الشباب والمرأة   •  
أخبار محلية

سماء تفيض خيرًا وأرض تبحث عن واسطة.. من يسرق مياه اليمن؟؟

المنتصف نت- المنتصف نت 29/07/2026 19:12 284 مشاهدة
سماء تفيض خيرًا وأرض تبحث عن واسطة.. من يسرق مياه اليمن؟؟

تهطل الأمطار بغزارة، وتتحول الشعاب إلى سيول جارفة، وتنزل ملايين الأطنان من المياه من كبد السماء لتغذي الجبال والأودية.. ومع ذلك، تظل صنابير المنازل جافة، وحين تجود شبكة المشروع بقطرات معدودة، ينضب الخزان في دقائق معدودة.
تلك هي المفارقة الموجعة التي يعيشها المواطن اليمني يوميًا؛ فبين سماء تمطر بركة وخيرات، وأرض عطشى تئن تحت وطأة الجفاف، يقف الإنسان اليمني حائرًا أمام مفارقة قاسية صُنعت بفعل فاعل، لتتحول النعمة الإلهية إلى لغز يحير العقول، تقف خلفه منظومة من الفساد والإهمال المستشري.

غيث السماء.. أمطار غزيرة بلا استثمار
تشهد المرتفعات الجبلية والأودية اليمنية مواسم مطرية غزيرة تتدفق خلالها السيول العارمة. وبحسب الخبراء والمختصين، فإن كميات المياه التي تسقط على الأراضي اليمنية سنويًا كفيلة بتغطية جزء كبير من الاحتياجات المائية لو تم استغلالها بالشكل الأمثل. لكن، وبدلًا من أن تكون هذه الأمطار طوق نجاة، تتحول غالبًا إلى كارثة مؤقتة بسبب:
غياب البنية التحتية: عدم وجود سدود أو حواجز مائية كافية لحفظ مياه الأمطار وتغذية الخزانات الجوفية.
ضعف قنوات التصريف: هدر ملايين الأمتار المكعبة من المياه دون الاستفادة منها في الشرب أو الزراعة، حيث تذهب سدى نحو البحر، أو تتسبب في جارفات وسيول تدمر الأراضي الزراعية.

مشاريع مائية متهالكة.. ماء ينضب في دقائق
على الجانب الآخر، تعاني شبكات المياه الحضرية والريفية من تدهور غير مسبوق. فحين يتم ضخ المياه عبر المشاريع الرسمية، تواجه الأسر اليمنية واقعًا مرًا يتمثل في:
شح التدفق: وصول المياه لفترات متباعدة جدًا قد تصل إلى أسابيع.
النضوب السريع: ما إن يُفتح صنبور المشروع حتى ينضب الماء بصورة سريعة، مما يعكس ضعف القدرة التخزينية، وتآكل الشبكات، وتلاعب المتنفذين في توزيع الحصص المائية.
التكلفة الباهظة: اضطرار المواطنين للجوء إلى صهاريج المياه الخاصة (البوز) بأسعار باهظة تثقل كاهل الأسر التي تعاني أساسًا من تدهور الأوضاع المعيشية.

المسؤولية والفساد: أين تذهب الجهود والخطط؟
لا يُنسب هذا العطش المستمر إلى الطبيعة القاحلة، بل إلى عقم الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية. ويشير المواطنون والمراقبون بأصابع الاتهام إلى غياب الأمانة الكافية لدى المسؤولين عن قطاع المياه والخدمات:
عقلية النهب والسرقة:
تحول قطاع الخدمات العامة في كثير من الأحيان إلى "بقرة حلوب" للنافذين والمفسدين، حيث تُصرف ميزانيات طائلة تحت بند صيانة وتطوير شبكات المياه، دون أن يلمس المواطن أي تحسن حقيقي على الأرض.
غياب التخطيط والتطوير:
انعدام الرغبة الحقيقية لدى المسؤولين في ابتكار حلول مستدامة، مثل إنشاء آبار عميقة جديدة، أو تفعيل دور محطات التحلية، أو صيانة شبكات التوزيع القديمة التي تتسرب منها نسبة كبيرة من المياه قبل وصولها إلى المستفيدين.
غياب المحاسبة:
الإفلات المستمر للمقصرين من العقاب، مما يجعل قطاع المياه عرضة للمزيد من الانهيار والتراجع.

نحو حلول مستدامة
إن الخروج من دائرة العطش المظلمة هذه لا يتطلب مستحيلًا، بل إرادة حقيقية تتمثل في:
تفعيل الرقابة والمحاسبة: تطهير المؤسسات الخدمية من الفاسدين وإسناد إدارتها إلى كفاءات نزيهة.
الاستثمار في الحصاد المائي: بناء السدود الصغيرة والحواجز الجوفية وخزانات تجميع مياه الأمطار في المديريات والأرياف.
صيانة وتأهيل الشبكات: إيقاف الهدر المستمر عبر إصلاح شبكات النقل والتوزيع المتهالكة، لضمان وصول كل قطرة ماء إلى مستحقيها.

خاتمة:
بين سماء ترسل بركاتها مدرارًا، ومسؤولين يتربصون بكل قطرة ليحولوها إلى أرباح في حساباتهم السرية، يبدو أن المواطن اليمني بات مطالبًا باختراع "كُليّة إلكترونية" تستخلص الماء من الهواء لتعويض جفاف صنابير الدولة.
هكذا أصبحت المفارقة الرسمية في بلادنا تختصر في معادلة عبثية: المطر للسيول الجارفة التي تجرف الأحلام، والعطش الدائم للمواطن البائس الذي لا يملك سوى الدعاء.
ولعل المسؤولين الكرام – حفظهم الله من كل مصلحة عامة – يبرعون دائمًا في هندسة العطش ببراعة لا تُبارى، فهم بارعون في تحويل السحب الماطرة إلى مجرد "أرقام في الموازنات" تتطاير في الهواء كبخار الماء.
وحدها الصهاريج الخاصة (البوز) تقف شاهدًا حيًا على عبقرية الابتكار الفاسد، حيث تتدفق المياه من تحت أقدام الفقراء كالسحر، لكنها تُباع بأثمان تجعلهم يتبادلون الدموع بدلًا من الماء.
فيا سماء اليمن الواسعة، استمري في البكاء على أطلالنا، فربما تملأ دموعك الغزيرة ما فشل في إنجازه قطاع "الخدمات" طوال عقود من النوم السحيق!