تاريخ النشر: 28.07.2026 | 09:05 GMT
تحيي روسيا في 28 يوليو ذكرى معمودية روس، أحد أبرز الأحداث التي غيّرت مسار الدولة الروسية القديمة ورسّخت حضور المسيحية الأرثوذكسية.
ويعود هذا التحول إلى عهد الأمير فلاديمير، الذي اعتنق المسيحية وجعلها الدين الرئيس في البلاد، فاتحا مرحلة جديدة في تاريخ روس-كييف.
ويظهر مصطلح "معمودية روس" للمرة الأولى في "حكاية العصور الماضية"، أقدم سجل تاريخي روسي باقٍ حتى اليوم، والذي كُتب في مطلع القرن الثاني عشر. وتختلف الروايات التاريخية حول التاريخ الدقيق لهذا الحدث؛ إذ ترجّح بعض المصادر وقوعه عام 988، بينما تشير مصادر أخرى إلى عامي 990 أو 991. كما يرى بعض المؤرخين أن المصطلح يشير إلى حدث محدد تمثل في اعتناق فلاديمير المسيحية ومعمودية سكان كييف، بينما يربطه آخرون بمسار أطول لانتشار المسيحية في أراضي روس خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر، سبقه دخول محدود للمسيحية، من بينها معمودية في ستينيات القرن التاسع، ومعمودية الأميرة أولغا في القسطنطينية عام 946 أو 957.
لم يكن قرار فلاديمير اعتناق المسيحية وليد لحظة عابرة، بل جاء بعد مرحلة من البحث والمداولات، وفقا لما ترويه المصادر الروسية القديمة. فقد أرسل الأمير وفودا إلى عدد من الشعوب والأديان، من بينها البيزنطيون والألمان والبلغار، كما تواصل مع المسلمين واليهود الخزر، بهدف التعرف إلى مختلف العقائد. وتروي "حكاية العصور الماضية" أن الوفد الذي أُرسل إلى بيزنطة أُعجب بجمال الطقوس الأرثوذكسية، وهو ما عُدّ عاملا مؤثرا في اختيار فلاديمير. ولم يكن القرار دينيا فقط، بل ارتبط أيضا بطموحات الدولة الروسية القديمة لتعزيز مكانتها السياسية، وتوطيد علاقاتها مع بيزنطة، القوة الكبرى في ذلك العصر.
لوحة "تعميد الأمير فلاديمير العظيم" ( 1883). للفنان فيودور أندرييفيتش برونيكوف / Gettyimages.ruولا يوجد إجماع تاريخي حول تفاصيل معمودية فلاديمير نفسه، غير أن الرواية الأشهر، المعروفة باسم "أسطورة كورسون"، تربط الحدث بمدينة كورسون (خيرسونيسوس) في شبه جزيرة القرم، حيث تقول إنه اعتنق المسيحية هناك قبل زواجه من الأميرة البيزنطية آنا، شقيقة الأباطرة البيزنطيين، في خطوة جمعت بين الأبعاد الدينية والسياسية وعززت مكانته بين القوى المسيحية في ذلك الوقت.
وبعد عودته إلى كييف، اصطحب فلاديمير معه كهنة أرثوذكس، وبدأ بتعميد أفراد أسرته ثم نبلاء بلاطه. كما أطلق حملة لتغيير الممارسات الدينية في العاصمة، فأمر بإزالة الأصنام التي كان قد أقامها في بداية حكمه ضمن محاولة لتوحيد العبادة الوثنية، وكان أبرزها تمثال الإله بيرون، إله الرعد والمحاربين في المعتقدات السلافية القديمة. ووفقا للرواية التقليدية، أُلقي التمثال في نهر دنيبر بعد إزالته.
وبلغت عملية التنصير مرحلة رمزية مهمة عندما دعا فلاديمير سكان كييف إلى النزول إلى مياه نهر دنيبر لتلقي المعمودية جماعيا، في حدث أصبح لاحقا علامة فارقة في تاريخ روس. ثم انتشرت المسيحية تدريجيا في مناطق أخرى من الدولة الروسية القديمة، بما فيها نوفغورود وروستوف وسوزدال وموروم وبولوتسك وسمولينسك وبسكوف، لتصبح عاملا رئيسيا في توحيد المجال الثقافي والسياسي للأراضي الروسية المتفرقة.
ولم تمر عملية التحول الديني دون مقاومة، إذ كانت الوثنية أكثر رسوخا في بعض المناطق، ولا سيما نوفغورود. غير أن بعض الباحثين يشككون في دقة الروايات التي تتحدث عن مواجهات واسعة بين الوثنيين والمسيحيين، معتبرين أن جانبا منها قد تشكل في مؤلفات لاحقة. أما في كييف، فتذكر "حكاية العصور الماضية" أن السكان حزنوا عند إسقاط الأصنام، لكنهم سرعان ما تقبلوا الدين الجديد، وهو ما دفع بعض المؤرخين إلى التشكيك في تصوير عملية التنصير بوصفها فرضا قسريا بالكامل، مع الإقرار بأن القرار ارتبط أيضا بسلطة الأمير السياسية.
وتجاوز تأثير معمودية روس المجال الديني ليشمل مختلف جوانب الحياة في الدولة الروسية القديمة. فعلى المستوى السياسي، ساعد اعتناق المسيحية على تعزيز علاقات روس ببيزنطة والعالم السلافي الجنوبي والدول الأوروبية. وعلى المستوى الاجتماعي، رسّخ مكانة الكنيسة بوصفها مؤسسة مؤثرة مرتبطة بالسلطة، وأسهم في بناء منظومة قيم مشتركة بين مناطق الدولة المختلفة.
أما ثقافيا، فقد فتحت المسيحية الباب أمام انتقال التقاليد البيزنطية في العمارة والفنون والكتابة، وازدهرت حركة الترجمة والتأليف الديني. "كما ساهم انتشار المسيحية في توسيع استخدام الأبجدية السيريلية التي كانت قد ظهرت قبل ذلك في البيئة السلافية المسيحية بفضل جهود القديسين كيريل وميثوديوس، وأصبحت لاحقا أساسا لكتابة الروسية والبيلاروسية وعدد من اللغات السلافية الأخرى.
ويحمل تاريخ 28 يوليو دلالة مزدوجة، إذ يوافق أيضا عيد الأمير فلاديمير الذي قُدّس لاحقا في الكنيسة الأرثوذكسية تخليدا لدوره في اعتناق روس المسيحية. وفي عام 2008 اقترح البطريرك أليكسي الثاني إدراج هذا التاريخ ضمن المناسبات الوطنية المهمة، قبل أن يوقّع الرئيس دميتري مدفيديف مرسوما رسميا بهذا الشأن عام 2010.
ومنذ ذلك الحين، تحيي الكنائس الأرثوذكسية الروسية هذه الذكرى بصلوات خاصة وقرع الأجراس ظهر يوم 28 يوليو، إلى جانب مواكب وفعاليات ثقافية تقام في مدن مختلفة، من بينها موسكو حيث يتوجه موكب تقليدي إلى نصب الأمير فلاديمير على تلة بوروفيتسكي. وبعد أكثر من ألف عام، لا تزال معمودية روس تُعد أحد الأحداث المؤسسة في التاريخ الروسي، لما تركته من أثر عميق في تشكيل الهوية الدينية والثقافية للدولة الروسية.
المصادر: مجلة "فوما" الأرثوذكسية+ الحديقة التاريخية "روسيا- تاريخي"