كشفت تقارير حديثة أن إيران طلبت من ميليشيات الحوثي الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب، كرد فعل محتمل على أي هجوم أمريكي يستهدف منشآتها الاقتصادية أو البنية التحتية للطاقة. جاء هذا التطور بالتزامن مع إعلان الحوثيين فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، واستئناف الولايات المتحدة عملياتها ضد أهداف إيرانية.
لا يمثل هذا التصعيد مجرد انزلاق عسكري جديد في البحر الأحمر، بل يعكس رغبة طهران في نقل مركز الضغط من الخليج العربي إلى البحر الأحمر. يأتي هذا التحول بعد تراجع فعالية ورقة مضيق هرمز، التي طالما استخدمتها إيران كأداة ردع أساسية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ومع تزايد اعتماد السعودية على خطوط الأنابيب وموانئ البحر الأحمر، مثل ميناء ينبع، لتصدير جزء كبير من إنتاجها النفطي بعيداً عن مضيق هرمز، أصبح باب المندب يمثل حلقة شديدة الحساسية في مسار إمدادات النفط السعودي إلى الأسواق العالمية. وبالتالي، فإن استهداف الملاحة البحرية السعودية يتجاوز كونه تهديداً عسكرياً محدوداً، ليمثل محاولة لضرب البديل الاستراتيجي الذي تعتمد عليه الرياض في أمنها الطاقوي.
تسعى إيران، بعد أن فقدت جزءاً من قدرتها على التأثير في صادرات النفط الخليجية عبر هرمز، إلى إعادة إنتاج معادلة الضغط نفسها من البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. يهدف هذا التحرك إلى تهديد الملاحة في باب المندب، ورفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، وإيصال رسالة مفادها أن أي استهداف لإيران لن يقتصر على حدودها، بل سيمتد ليشمل أحد أهم الشرايين البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
إن اختزال الخطوة الحوثية في مجرد رد فعل عسكري أو تصعيد مرتبط بتطورات آنية يغفل البعد السياسي الأوسع الذي تعمل ضمنه طهران. فالأمر لا يتعلق باليمن وحده، بل يعكس محاولة لإعادة توزيع أوراق الصراع في المنطقة، بعد أن بدأت البيئة الاستراتيجية التي اعتمدت عليها إيران طوال سنوات تشهد تغيرات جوهرية.
تدرك إيران أن قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط لم تعد بنفس الفاعلية السابقة، ليس لأن المضيق فقد أهميته، بل لأن خصومها نجحوا في بناء بدائل تقلل الاعتماد عليه، وعلى رأسها السعودية التي استثمرت مليارات الدولارات في تطوير مسارات تصدير لا تمر عبر الخليج العربي. ويأتي في مقدمة هذه البدائل خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط السعودي إلى ميناء ينبع، ومنه تنطلق الناقلات عبر باب المندب أو قناة السويس.
وعليه، فإن استهداف باب المندب يمثل استهدافاً مباشراً للبديل الذي سعت السعودية إلى بنائه. فبعد أن رأت إيران أن واشنطن نجحت في الحد من تأثير ورقة هرمز، تحاول اليوم التأكيد على أن أي بديل عن هرمز سيظل معرضاً للتهديد، وأن خطوط الطاقة التي أعادت السعودية رسمها يمكن الوصول إليها أيضاً. وبهذا يتحول باب المندب إلى جزء من معادلة الردع الإيرانية الجديدة، ويصبح الحوثيون الذراع التنفيذية لهذه الاستراتيجية.
يأتي استهداف الملاحة البحرية السعودية في هذه المرحلة كرسالة واضحة مفادها أن التحول إلى مسارات التصدير البديلة لن يوفر الحماية الكاملة، وأن طهران قادرة، عبر حلفائها، على ملاحقة خطوط الطاقة حتى خارج الخليج العربي. وفي المقابل، يعاني الشعب اليمني من تداعيات هذا الانخراط في حرب إقليمية، حيث تستغل الميليشيات الحوثية موارد الدولة لتمويل أنشطتها العسكرية، متجاهلة الأزمة المعيشية الخانقة التي يواجهها ملايين اليمنيين.