تعيش العاصمة المؤقتة عدن مزيدًا من التدهور في جميع المجالات الخدمية والأمنية، رغم مرور أكثر من ستة أشهر على إعلان الشرعية ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي وحكومته، العمل مع التحالف العربي لدعم الشرعية على ضبط الأوضاع في عدن بعد الأحداث التي شهدتها والمناطق الشرقية جراء تصعيد الانتقالي المنحل.
ومع توالي التصريحات والأنباء شبه اليومية الخاصة بمجلس القيادة وحكومته برئاسة الزنداني، التي تتحدث عن تحقيق نجاحات في ضبط الأوضاع المعيشية والأمنية وما تُسمى بمصفوفة الإصلاحات في جميع المجالات، إلا أن الحقيقة الماثلة على أرض الواقع تناقض وتنفي ذلك تمامًا.
أزمات خدمية متفاقمة
تعيش عدن منذ ديسمبر 2025 تدهورًا متصاعدًا في جميع الخدمات، وهو امتداد لما شهدته من تدهور منذ فوضى 2011 وانقلاب 2014 وما تلاها من حروب وتدمير لمؤسسات الدولة ونهبها واستغلال ما تبقى منها لصالح كيانات الفوضى والانقلاب وتلك التي نشأت عقب ذلك.
ففي مجال الكهرباء، ورغم الإعلان عن منح سعودية لهذا المجال عقب أحداث الانتقالي المنحل، والتي كان آخرها تقديم منحة بقيمة 150 مليون دولار لشراء وقود لمحطات التوليد في عدن وحضرموت، وكذا تقديم مولدات كهربائية بقدرات 200 ميجاوات لحضرموت و100 ميجاوات لعدن، إلا أن أزمة الكهرباء ما زالت متفاقمة ولم يطرأ عليها أي تغيير، خاصة في عدن.
وفي آخر تطورات هذا المجال، تم نهب مولدات عدن المقدمة من السعودية من قبل قوات دفاع شبوة التابعة للانتقالي المنحل أثناء مرورها في شبوة بطريقها إلى عدن، بحجة أنها تضم أسلحة لقوات الطوارئ ودرع الوطن.
وفيما يتعلق بمنحة الـ150 مليون دولار لشراء الوقود، فلم يُعرف مصيرها حتى اللحظة، ولم تخرج الجهات المعنية كـمؤسسة كهرباء عدن ووزارة الكهرباء والطاقة، وقبلها الحكومة والمجلس الرئاسي، بتوضيح للمواطنين حول سبب عدم تحسن الخدمة كما أُعلن سابقًا عن بداية تحسنها كانعكاس للمنحة السعودية.
وتعيش عدن مسلسل الانطفاءات الذي يتجاوز 10 ساعات ليلًا و8 ساعات نهارًا مقابل ساعتين من الخدمة، والذي تسبب في خلق أزمة مياه خانقة في بعض أحياء عدن نتيجة توقف مضخات الضخ للأحياء المرتفعة، كما فاقم أزمة المجاري التي تغرق العديد من الشوارع نتيجة توقف مضخات الشفط، فضلًا عن تسببها في تفاقم العديد من الخدمات المرتبطة بالكهرباء كالخدمات الطبية والمصرفية والاتصالات والإنترنت، وتأثيرها على بعض السلع الاستهلاكية التي تحتاج إلى تبريد عالٍ.
أزمة الأسعار وصرف المرتبات
وفيما تواصل حكومة مجلس القيادة الرئاسي الحديث عبر وسائل الإعلام الرسمية عن تحسن في ضبط الأوضاع المصرفية التي تنعكس على أسعار السلع والمشتقات النفطية، نجد أن الوضع على الأرض يخالف وينفي ذلك.
وفيما يتعلق بأسعار الصرف، صحيح أن هناك نوعًا من الاستقرار في سعر الريال اليمني أمام الدولار والريال السعودي رسميًا، إلا أن شركات الصرافة وبعض البنوك العاملة في عدن تعمل على مخالفة إجراءات وتعليمات البنك المركزي اليمني بعدن، وتقوم بعمليات بيع وشراء العملات وفقًا لسياستها.
وما بين السعر المحدد من قبل مركزي عدن بـ162 ريالًا للدولار الواحد، تعمل تلك الجهات المصرفية على شرائه بـ150 ريالًا للدولار من المواطن، وكذلك بالنسبة للريال السعودي، والمسعر من المركزي بـ144 ريالًا يمنيًا للريال السعودي، يتم شراؤه من المواطن بـ140 أو 139 ريالًا.
وفيما يخص أسعار السلع الاستهلاكية، لم يتم عكس التسعيرة الجديدة للدولار والسعودي عليها، ولم يتم ضبط عمليات البيع والشراء وفقًا لتلك التسعيرة، وظل التجار في التجزئة والجملة يتعاملون وفقًا للتسعيرة السابقة التي تتجاوز 1700 ريال للدولار، وهي عملة الاستيراد.
وخلال الشهرين الأخيرين، شهدت أسواق عدن تفاوتًا كبيرًا في أسعار السلع الاستهلاكية وارتفاعًا دون وجود أي إجراءات حكومية لردع التجار المستغلين للمواطنين، وهو ما يؤكد عدم وجود الجانب الحكومي الرسمي، الغائب كليًا عن الساحة الوطنية، والمتواجد خارج البلاد وفي الإعلام الرسمي فقط لتضليل الرأي العام الخارجي.
وهم ضبط الأوضاع العسكرية والأمنية
وفي هذا الإطار، كشفت الأحداث التي شهدتها عدن منذ يناير الماضي أن كل الادعاءات التي تحدثت عنها الشرعية عبر مكونها الرئاسي والحكومي حول تنفيذ خطط تشرف عليها لجنة سعودية بقيادة العميد الشهراني، كانت عبارة عن أوهام كالجبال، كما وصفها أحد الصحفيين البارزين في عدن.
وذكر الصحفي فتحي بن لزرق، رئيس مؤسسة عدن الغد الصحفية، في منشور على حسابه في منصات التواصل الاجتماعي، أن الأحداث التي تشهدها عدن حاليًا تثبت أن جميع الترتيبات العسكرية التي اتُّخذت منذ يناير الماضي كانت جبالًا كبيرة من الوهم والكذب.
وأكد أن عدن بكل مكوناتها، وفي مواجهة أي زحف مسلح لأي طرف، أيًا كان شكله أو لونه، قابلة للسقوط خلال أقل من نصف ساعة.
وكانت عدن شهدت وصول مئات المسلحين من المناطق الموالية للانتقالي المنحل "الضالع وردفان ويافع" بحجة منع إطلاق سراح سجناء متهمين بقضايا إرهابية كعملية اغتيال البطل جواس، في إطار عملية التبادل للأسرى مع عصابة الحوثي الإيرانية التي ترعاها الأمم المتحدة.
ووفقًا للصحفي بن لزرق، فإن ما يجري في عدن، بغض النظر عن واقعة إطلاق سراح أي مدان في قضايا إرهاب، فإن تقييم الوضعين الأمني والعسكري في عدن أظهر هشاشة لن يبديها عمال مطعم أو كافتيريا في شارع القصر بعدن.
وقال بن لزرق: "أثبت هذا الحدث أن جميع من تولوا زمام هذه الترتيبات العسكرية باعوا وهمًا للتحالف ذاته، وفشلوا فشلًا ذريعًا في إدارة المشهد العسكري أو إنجاز أي تحول حقيقي في بنية القوات المكلفة بحماية المدينة، وكان كل ما حدث أنه تم استنزاف التحالف بمليارات الدولارات صُرفت في مناحٍ شتى ليس بينها فلس واحد صوب تأسيس واقع عسكري حقيقي".
ما تحدث عنه رئيس تحرير صحيفة وإذاعة عدن الغد، كان "المنتصف نت" قد تحدث حوله في تقارير عدة خلال الأشهر التي تلت أحداث يناير، وأوضح أن ما يجري في عدن هو عبارة عن إعادة تموضع وتسميات لتشكيلات الانتقالي المنحل القتالية والأمنية، وأنه لا وجود للجانب الحكومي مطلقًا على أرض الواقع، وأن جميع المؤسسات الحكومية الرسمية الخدمية والسياسية والأمنية والعسكرية ما زالت في يد عناصر وقيادات الانتقالي المنحل، وهذا مثبت في القرارات التي تقوم بتلك الترتيبات، والتي تصدر كلها عن عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة المحرمي وليس من رئاسة المجلس بعد التوافق عليها.
مشهد مستمر منذ سنوات
وهنا يؤكد فتحي بن لزرق بقوله: "إن الحقيقة التي يجب أن نكون صادقين فيها اليوم، وعلينا أن نقولها قبل حدوث الكارثة، أن المشهد في عدن ومحيطها لا يزال هو ذاته القائم منذ أكثر من ثماني سنوات، وأن القيادات العسكرية، إن لم تكن كلها فأغلبها، تعمل ضد الحكومة الشرعية والتحالف ذاته الذي تقوده السعودية".
وتابع: "لقد كان حدثًا مفزعًا أسقط ورقة التوت عن جميع الاستعراضات العسكرية الزائفة التي شهدتها عدن خلال الأشهر الستة الماضية، وصدم الجميع بحقيقة واحدة مفادها أن مرمى التحالف والحكومة الشرعية مكشوف على مصراعيه، وأن الكرة لا تزال في وسط الملعب حتى لحظة كتابة هذا التقييم، فإما أن يسارعوا إلى تدارك الأمر، وإلا فإن الهدف القاتل في طريقه إلى المرمى، وسيكون قاتلًا لأن المباراة أصبحت في دقائقها الأخيرة".